17.71
أي: يوم القيامة، والداعي هو المنادي، والناس هم المدعوون، والنداء على الناس في هذا اليوم لا يكون بفلان بن فلان، بل ينادي القوم بإمامهم أي: برسولهم، فيقال: يا أمة محمد، يا أمة عيسى، يا أمة موسى، يا أمة إبراهيم. ثم يفصل هذا الإجمال، فتنادى كل جماعة بمن بلغهم وهداهم ودلهم ليغري الناس بنقل الفضل العلمي من أنفسهم إلى غيرهم. وقال بعضهم ﴿ بإمامهم ﴾ أي: بأمهاتهم، وفي دعاء الناس بأمهاتهم في هذا الموقف تكريم لعيسى عليه السلام أولا، وستر على أولاد الإثم ثانيا، حتى لا يفضحوا على رؤوس الأشهاد في مثل هذا الموقف. ثم يقول تعالى: ﴿ فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرؤون كتابهم ولا يظلمون فتيلا ﴾ [الإسراء: 71]. فكونه أخذ كتابه بيمينه، فهذه بشارة الخير وبداية السلامة، فإذا به يسارع إلى قراءته، بل ويتباهى به بين الناس قائلا:
هآؤم اقرؤا كتابيه
[الحاقة: 19] إنه مسرور بعمله الصالح الذي يحب أن يطلع عليه الناس، وقوله تعالى: ﴿ ولا يظلمون فتيلا ﴾ [الإسراء: 71]. الظلم أن تأخذ من خير غيرك مما ليس عندك، إذن: فعندك نقص في شيء تريد أن تحصل عليه ظلما، إذن: فماذا ينقص الحق سبحانه وتعالى حتى يظلم الخلق؟! إن الخلق يتصفون بالظلم لأن الإنسان عادة لا يرضى بما قسم الله له لذلك يشعر بالنقص فيظلم غيره، أما الله عز وجل فهو الغني عن الخلق، فكيف يظلمهم؟ وهم جميعا بما يملكون هبة منه سبحانه. ومعنى ﴿ فتيلا ﴾ عادة يضرب الحق سبحانه وتعالى الأمثال في القرآن بالمألوف عند العرب وفي بيئتهم، ومن مألوفات العرب التمر، وهو غذاؤهم المفضل والعلف لماشيتهم، ومن التمر أخذ القرآن النقير والقطمير والفتيل، وهي ثلاثة أشياء تجدها في نواة الثمرة، وقد استخدمها القرآن في تمثيل الشيء الضئيل القليل. فالنقير: هو تجويف صغير في ظهر النواة مثل النقطة. والقطمير: هو اللفافة الرقيقة الشفافة بين الثمرة والنواة. والفتيل: هو غلالة رقيقة تشبه الخيط في بطن النواة. فمعنى: ﴿ ولا يظلمون فتيلا ﴾ [الإسراء: 71] أي: أنه سبحانه وتعالى لا يظلم الناس أبدا، فهو سبحانه منزه عن الظلم مهما تناهى في الصغر. وفي مقابل من أوتي كتابه بيمينه لم تذكر الآية من أوتي كتابه بشماله، كما جاء في قوله تعالى:
وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يليتني لم أوت كتابيه
[الحاقة: 25] وفي آية أخرى قال:
وأما من أوتي كتابه ورآء ظهره
[الانشقاق: 10]. أما هنا فقال الحق سبحانه: ﴿ ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى... ﴾.