تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

17.7

وما زال الخطاب موجها إلى بني إسرائيل، هاكم سنة من سنن الله الكونية التي يستوي أمامها المؤمن والكافر، وهي أن من أحسن فله إحسانه، ومن أساء فعليه إساءته. فها هم اليهود لهم الغلبة بما حدث منهم من شبه استقامة على المنهج، أو على الأقل بمقدار ما تراجع المسلمون عن منهج الله لأن هذه سنة كونية، من استحق الغلبة فهي له لأن الحق سبحانه وتعالى منزه عن الظلم، حتى مع أعداء دينه ومنهجه. والدليل على ذلك ما أمسى فيه المسلمون بتخليهم عن منهج الله. وقوله تعالى: ﴿ إن أحسنتم.. ﴾ [الإسراء: 7]. فيه إشارة إلى أنهم في شك أن يحسنوا، وكأن أحدهم يقول للآخر: دعك من قضية الإحسان هذه. فإذا كانت الكرة الآن لليهود، فهل ستظل لهم على طول الطريق؟ لا.. لن تظل لهم الغلبة، ولن تدوم لهم الكرة على المسلمين، بدليل قول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ فإذا جآء وعد الآخرة.. ﴾ [الإسراء: 7]. أي: إذا جاء وقت الإفسادة الثانية لهم، وقد سبق أن قال الحق سبحانه عنهم:

لتفسدن في الأرض مرتين..

[الإسراء: 4] وبينا الإفساد الأول حينما نقضوا عهدهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة. وفي الآية بشارة لنا أننا سنعود إلى سالف عهدنا، وستكون لنا يقظة وصحوة نعود بها إلى منهج الله وإلى طريقه المستقيم، وعندها ستكون لنا الغلبة والقوة، وستعود لنا الكرة على اليهود. وقوله تعالى: ﴿ ليسوءوا وجوهكم.. ﴾ [الإسراء: 7]. أي: نلحق بهم من الأذى ما يظهر أثره على وجوههم لأن الوجه هو السمة المعبرة عن نوازع النفس الإنسانية، وعليه تبدو الانفعالات والمشاعر، وهو أشرف ما في المرء، وإساءته أبلغ أنواع الإساءة. وقوله تعالى: ﴿ وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة.. ﴾ [الإسراء: 7] أي: أن المسلمين سيدخلون المسجد الأقصى، وسينقذونه من أيدي اليهود. ﴿ كما دخلوه أول مرة.. ﴾ [الإسراء: 7]. المتأمل في هذه العبارة يجد أن دخول المسلمين للمسجد الأقصى أول مرة كان في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولم يكن الأقصى وقتها في أيدي اليهود، بل كان في أيدي الرومان المسيحيين. فدخوله الأول لم يكن إساءة لليهود، وإنما كان إساءة للمسيحيين، لكن هذه المرة سيكون دخول الأقصى، وهو في حوزة اليهود، وسيكون من ضمن الإساءة لوجوههم أن ندخل عليهم المسجد الأقصى، ونطهره من رجسهم. ونلحظ كذلك في قوله تعالى: ﴿ كما دخلوه أول مرة.. ﴾ [الإسراء: 7] أن القرآن لم يقل ذلك إلا إذا كان بين الدخولين خروج. إذن: فخروجنا الآن من المسجد الأقصى تصديق لنبوءة القرآن، وكأن الحق سبحانه يريد أن يلفتنا: إن أردتم أن تدخلوا المسجد الأقصى مرة أخرى، فعودوا إلى منهج ربكم وتصالحوا معه.

وقوله تعالى: ﴿ فإذا جآء وعد الآخرة.. ﴾ [الإسراء: 7]. كلمة الآخرة تدل على أنها المرة التي لن تتكرر، ولن يكون لليهود غلبة بعدها. وقوله تعالى: ﴿ وليتبروا ما علوا تتبيرا ﴾ [الإسراء: 7]. يتبروا: أي: يهلكوا ويدمروا، ويخربوا ما أقامه اليهود وما بنوه وشيدوه من مظاهر الحضارة التي نشاهدها الآن عندهم. لكن نلاحظ أن القرآن لم يقل: ما علوتم، إنما قال ﴿ ما علوا ﴾ ليدل على أن ما أقاموه وما شيدوه ليس بذاتهم، وإنما بمساعدة من وراءهم من أتباعهم وأنصارهم، فاليهود بذاتهم ضعفاء، لا تقوم لهم قائمة، وهذا واضح في قول الحق سبحانه عنهم:

ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس..

[آل عمران: 112]. فهم أذلاء أينما وجدوا، ليس لهم ذاتية إلا بعهد يعيشون في ظله، كما كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، أو عهد من الناس الذين يدافعون عنهم ويعاونونهم. واليهود قوم منعزلون لهم ذاتية وهوية لا تذوب في غيرهم من الأمم، ولا ينخرطون في البلاد التي يعيشون فيها لذلك نجد لهم في كل بلد يعيشون به حارة تسمى " حارة اليهود " ، ولم يكن لهم ميل للبناء والتشييد لأنهم كما قال تعالى عنهم:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣١٩٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣١٩٨