تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

17.2

قوله: ﴿ وآتينآ ﴾ أي: أوحينا إليه معانيه، كما قال تعالى:

وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من ورآء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشآء..

[الشورى: 51]. فليس في هذا الأمر مباشرة. و الكتاب هو التوراة، فلو اقترن بعيسى فهو الإنجيل، وإن أطلق دون أن يقترن بأحد ينصرف إلى القرآن الكريم. والوحي قد يكون بمعاني الأشياء، ثم يعبر عنها الرسول بألفاظه، أو يعبر عنها رجاله وحواريوه بألفاظهم. ومثال ذلك: الحديث النبوي الشريف، فالمعنى فيه من الحق سبحانه، واللفظ من عند الرسول صلى الله عليه وسلم، وهكذا كان الأمر في التوراة والإنجيل. فإن قال قائل: ولماذا نزل القرآن بلفظه ومعناه، في حين نزلت التوراة والإنجيل بالمعنى فقط؟ نقول: لأن القرآن نزل كتاب منهج مثل التوراة والإنجيل، ولكنه نزل أيضا كتاب معجزة لا يستطيع أحد أن يأتي بمثله، فلا دخل لأحد فيه، ولا بد أن يظل لفظه كما نزل من عند الله سبحانه وتعالى. فالرسول صلى الله عليه وسلم أوحي إليه لفظ ومعنى القرآن الكريم، وأوحي إليه معنى الحديث النبوي الشريف. والحق سبحانه يقول: ﴿ وجعلناه هدى لبني إسرائيل.. ﴾ [الإسراء: 2]. فهذا الكتاب لم ينزل لموسى وحده، بل ليبلغه لبني إسرائيل، وليرسم لهم طريق الهدى إلى الله سبحانه، وقال تعالى في آية أخرى:

ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من لقآئه وجعلناه هدى لبني إسرائيل

[السجدة: 23]. والهدى: هو الطريق الموصل للغاية من أقصر وجه، وبأقل تكلفة، وهو الطريق المستقيم، ومعلوم عند أهل الهندسة أن الخط المستقيم هو أقصر مسافة بين نقطتين. ثم أوضح الحق سبحانه وتعالى خلاصة هذا الكتاب، وخلاصة هذا الهدى لبني إسرائيل في قوله تعالى: ﴿ ألا تتخذوا من دوني وكيلا ﴾ [الإسراء: 2]. ففي هذه العبارة خلاصة الهدى، وتركيز المنهج وجماعه. والوكيل: هو الذي يتولى أمرك، وأنت لا تولي أحدا أمرك إلا إذا كنت عاجزا عن القيام به، وكان من توكله أحكم منك وأقوى، فإذا كنت ترى الأغيار تنتاب الناس من حولك وتستولي عليهم، فالغني يصير فقيرا، والقوي يصير ضعيفا، والصحيح يصير سقيما. وكذلك ترى الموت يتناول الناس واحدا تلو الآخر، فاعلم أن هؤلاء لا يصلحون لتولي أمرك والقيام بشأنك، فربما وكلت واحدا منهم ففاجأك خبر موته. إذن: إذا كنت لبيبا فوكل من لا تنتابه الأغيار، ولا يدركه الموت ولذلك فالحق سبحانه حينما يعلمنا أن نكون على وعي وإدراك لحقائق الأمور، يقول:

وتوكل على الحي الذي لا يموت

[الفرقان: 58]. وما دام الأمر كذلك، فإياك أن تتخذ من دون الله وكيلا، حتى لو كان هذا الوكيل هو الواسطة بينك وبين ربك كالأنبياء لأنهم لا يأتون بشيء من عند أنفسهم، بل يناولونك ويبلغونك عن الله سبحانه.

ولذلك الحق سبحانه يقول:

ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك..

[الإسراء: 86]. ولو شئنا ما أوحينا إليك أبدا، فمن أين تأتي بالمنهج إذن؟ وقد تحدث العلماء طويلا في أن في قوله: ﴿ ألا تتخذوا من دوني وكيلا ﴾ [الإسراء: 2]. فمنهم من قال: إنها ناهية. ومنهم من قال: نافية، وأحسن ما يقال فيها: إنها مفسرة لما قبلها من قوله تعالى: ﴿ وآتينآ موسى الكتاب وجعلناه هدى.. ﴾ [الإسراء: 2]. ففسرت الكتاب والهدى ولخصته، كما في قوله تعالى:

فوسوس إليه الشيطان قال يآدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى

[طه: 120]. فقوله: ﴿ قال يآدم ﴾ تفسر لنا مضمون وسوسة الشيطان. ومثله قوله تعالى:

وأوحينآ إلى أم موسى أن أرضعيه..

[القصص: 7]. فأن هنا مفسرة لما قبلها. وكأن المعنى: وأوحينا إليه ألا تتخذوا من دوني وكيلا. أو نقول: إن فيها معنى المصدرية، وأن المصدرية قد تجر بحرف جر كما نقول: عجبت أن تنجح، أي: من أن تنجح، ويكون معنى الآية هنا: وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل لأن لا تتخذوا من دوني وكيلا. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ ذرية من حملنا... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣١٩١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣١٩١