تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

17.40

لما جعل بعض المشركين لله ولدا، فمنهم من قالوا: المسيح ابن الله، ومنهم من قالوا: عزير ابن الله، ومنهم من قالوا: الملائكة بنات الله، فوبخهم الله تعالى: كيف تجعلون للخالق سبحانه البنات ولكم البنين، إنها قسمة جائرة، كما قال الحق سبحانه في آية أخرى:

ألكم الذكر وله الأنثى * تلك إذا قسمة ضيزى

[النجم: 21-22]. أي: قسمة جائرة ظالمة. قوله: ﴿ أفأصفاكم.. ﴾ [الإسراء: 40] أي: اصطفاكم واختار لكم البنين، وأخذ لنفسه البنات؟ ويقول في آية أخرى:

وجعلوا له من عباده جزءا..

[الزخرف: 15]. لذلك قال تعالى بعدها: ﴿ إنكم لتقولون قولا عظيما ﴾ [الإسراء: 40] فوصف قولهم بأنه عظيم في القبح والافتراء على الله، كما قال في آية أخرى:

وقالوا اتخذ الرحمن ولدا * لقد جئتم شيئا إدا

[مريم: 88-89]. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا وما يزيدهم إلا نفورا ﴾.

17.41

﴿ صرفنا ﴾ أي: حولنا الشيء من حال إلى حال، ومنها قوله تعالى:

وتصريف الرياح..

[البقرة: 164]. يعني تغييرها من حال إلى حال، فمرة: تراها سكسكا عليلة هادئة، ومرة تجدها رخاء أي: قوية، ومرة: تجدها إعصارا مدمرا. والرياح قد تكون لواقح تأتي بالخير والنماء، وقد تكون عقيما لا خير فيها. هذا هو المراد بالتصريف. فمعنى: ﴿ ولقد صرفنا في هذا القرآن.. ﴾ [الإسراء: 41]. أي: صرف مسألة ادعاء اتخاذ الله الأبناء في القرآن، وعالجها في كثير من المسائل لأنه أمر مهم عالجه القرآن علاجات متعددة في مقامات مختلفة من سوره، فتكرر ذكر هذه المسألة. والتكرار قد يكون في ذات الشيء، وقد يكون باللف بالشيء، كما في قوله تعالى:

فبأي آلاء ربكما تكذبان

[الرحمن: 13]. وقوله: ﴿ وما يزيدهم إلا نفورا ﴾ [الإسراء: 41]. أي: بدل أن يذكروا ويعودوا إلى جادة الصواب ازدادوا إعراضا ونفورا. ولنا أن نسأل: لماذا الإعراض والنفور منهم؟ لأنهم أرادوا الاحتفاظ بالسلطة الزمنية التي كانت لهم قبل الإسلام، ولكي نوضح المقصود بالسلطة الزمنية نقول: لو درسنا تواريخ القوانين في العالم نجد أن القانون الوضعي الذي وضعه البشر لم يأت أول الأمر، بل جاء نتيجة تسلط الكهنة، وكانوا هم أصحاب القانون يضعونه باسم الدين، ويلزمون الناس به، ولكن لوحظ عليهم أنهم يحكمون في قضية ما بحكم، ثم بعد فترة يحكمون في نفس القضية بحكم مخالف للأول، فانصرف الناس عن أحكام الكهنة، ووضعوا لأنفسهم هذه القوانين الوضعية، وبذلك أصبح لهؤلاء ما يسمى بالسلطة الزمنية. وهذه السلطة الزمنية هي التي منعت يهود المدينة من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، وقد كانوا على علم ومعرفة بأوصافه وبرسالته وزمن بعثته، وكانوا حينما يرون عباد الأصنام في مكة يقولون لهم: سيأتي زمان يبعث فيه نبي في هذا البلد، وسوف نتبعه، ونقتلكم به قتل عاد وإرم، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به، وقد كانوا من قبل يستفتحون به على الذين كفروا. وعن هذا يقول الحق سبحانه في حق يهود المدينة:

ولما جآءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين

[البقرة: 89]. لقد تنكر اليهود لرسالة محمد صلى الله عليه وسلم، مع أنهم على يقين من صدقه لأن هذه الرسالة ستحرمهم هذه السلطة الزمنية، وستقضي على السيادة العلمية والسيادة الاقتصادية والسيادة الحربية التي كانت لهم قبل الإسلام. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٢٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٢٥٩