تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

17.105

قوله تعالى: ﴿ وبالحق أنزلناه.. ﴾ [الإسراء: 105]. الحق من حق الشيء. أي: ثبت، فالحق هو الشيء الثابت الذي لا يطرأ عليه التغيير أبدا، أما الباطل فهو متغير متلون لأنه زهوق، والباطل له ألوان متعددة، والحق ليس له إلا لون واحد. لذلك لما ضرب الله لنا مثلا للحق والباطل، قال سبحانه:

أنزل من السمآء مآء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغآء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفآء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال

[الرعد: 17]. فإن رأيت في عصر من العصور خورا يصيب أهل الحق، وعلوا يحالف أهل الباطل فلا تغتر به، فهو علو الزبد الذي يعلو صفحة الماء، ولا ينتفع الناس به، وسرعان ما تلقى به الريح هنا وهناك لتجلو صفحة الماء الناصعة المفيدة، أما الزبد فيذهب جفاء دون فائدة، ويمكث في الأرض الماء الصافي الذي ينتفع الناس به في الزراعة ونحوها. وهكذا الباطل متغير متقلب لا ينتفع به، والحق ثابت لا يتغير لأنه مظهرية من مظهريات الحق الأعلى سبحانه، وهو سبحانه الحق الأعلى الذي لا تتناوله الأغيار. وقوله: ﴿ أنزلناه.. ﴾ [الإسراء: 105]. ونلاحظ هنا أن ضمير الغائب في ﴿ أنزلناه ﴾ لم يتقدم عليه شيء يوضح الضمير ويعود إليه، صحيح أن الضمير أعرف المعارف، لكن لا بد له من مرجع يرجع إليه. وهنا لم يسبق الضمير بشيء، كما سبق بمرجع في قوله تعالى:

قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله..

[الإسراء: 88]. فهنا يعود الضمير في ﴿ بمثله ﴾ إلى القرآن الذي سبق ذكره. نقول: إذا لم يسبق ضمير الغائب بشيء يرجع إليه، فلا بد أن يكون مرجعه متعينا لا يختلف فيه اثنان، كما في قوله تعالى:

قل هو الله أحد

[الإخلاص: 1]. فهو ضمير للغائب لم يسبق بمرجع له لأنه لا يرجع إلا إلى الله تعالى، وهذا أمر لا يختلف عليه. كذلك في قوله تعالى: ﴿ وبالحق أنزلناه.. ﴾ [الإسراء: 105]. أي: القرآن لأنه شيء ثابت متعين لا يختلف عليه. وجاء الفعل أنزل للتعدية، فكأن الحق سبحانه كان كلامه - وهو القرآن - محفوظا في اللوح المحفوظ، إلى أن يأتي زمان مباشرة القرآن لمهمته، فأنزله الله جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، كما قال تعالى:

إنا أنزلناه في ليلة القدر

[القدر: 1]. وهذا هو المراد من قوله ﴿ أنزلناه ﴾ ثم ننزله منجما حسب الأحداث في ثلاث وعشرين سنة مدة الدعوة كلها، فكلما حدث شيء نزل القسط أو النجم الذي يعالج هذه الحالة.

و ﴿ أنزلناه.. ﴾ [الإسراء: 105] أي: نحن، فالمراد الحق سبحانه وتعالى هو الذي حفظه في اللوح المحفوظ، وهو الذي أنزله، وأنزله على الأمين من الملائكة الذي اصطفاه لهذه المهمة.

نزل به الروح الأمين

[الشعراء: 193] أي: جبريل - عليه السلام - الذي كرمه الله وجعله روحا، كما جعل القرآن روحا في قوله:

وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا..

[الشورى: 52]. وقال عنه أيضا:

إنه لقول رسول كريم

[التكوير: 19]. والكريم لا يكتم شيئا مما أوحى إليه:

ذي قوة عند ذي العرش مكين * مطاع ثم أمين

[التكوير: 20-21]. هذه صفات جبريل الذي نزل بالوحي من الحق سبحانه، ثم أوصله لمن؟ أوصله للمصطفى الأمين من البشر:

وما صاحبكم بمجنون * ولقد رآه بالأفق المبين * وما هو على الغيب بضنين * وما هو بقول شيطان رجيم

[التكوير: 22-25]. إذن: فالقرآن الذي بين أيدينا هو هو الذي نزل من اللوح المحفوظ، وهو الحق الثابت الذي لا شك فيه، والذي لم يتغير منه حرف واحد، ولن يجد فيه أحد ثغرة للاتهام إلى أن تقوم الساعة. ثم يقول تعالى: ﴿ وبالحق نزل.. ﴾ [الإسراء: 105] الأولى كانت: ﴿ وبالحق أنزلناه.. ﴾ [الإسراء: 105]. أي: الوسائل التي نزل بها كلها ثابتة، وكلها حق لا ريب فيه ولا شك ﴿ وبالحق نزل.. ﴾ [الإسراء: 105] أي: مضمونه، وما جاء به القرآن هو أيضا حق ثابت: لأن القرآن نزل معجزة، ونزل كتاب منهج، معجزة حق لأنه تحدى الفصحاء والبلغاء وأهل اللغة، فأعجزهم في كل مراحل التحدي، والقرآن يحتوي على منهج حق. وأول شيء في منهج القرآن أنه تكلم عن العقائد التي هي الأصل الأصيل لكل دين، فقبل أن أقول لك: قال الله، وأمر الله لا بد أن تعرف أولا من هو الله، ومن الرسول الذي بلغ عن الله، فالعقائد هي ينبوع السلوكيات. إذن: تعرض القرآن للإلهيات، وأوضح أن الله تعالى إله واحد له صفات الكمال المطلق، وتعرض للملائكة وللنبوات والمعجزات والمعاد واليوم الآخر، كل هذا في العقائد لأن الإسلام حرص أولا على تربية العقيدة، فكانت الدعوة في مكة تركز على هذا الجانب دون غيره من جوانب الدين ليربي في المسلمين هذا الأصل الأصيل، وهو الاستسلام لله، وإلقاء الزمام إليه سبحانه وتعالى. والإنسان لا يلقي زمام حركته إلا لمن يثق به، فلا بد إذن من معرفة الله تعالى، ثم الإيمان به تعالى، ثم التصديق للمبلغ عن الله. وفي القرآن أيضا أحكام وشرائع ثابتة لا تتغير، ولن تنسخ بشريعة أخرى لأنها الشريعة الخاتمة، كما قال تعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٣٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٣٤٤