17.33
قوله تعالى: ﴿ ولا تقتلوا النفس.. ﴾ [الإسراء: 33]. كان القياس أن يقابل الجمع بالجمع، فيقول: لا تقتلوا النفوس التي حرم الله، لكن الحق سبحانه وتعالى يريد أن قتل النفس الواحدة مسئولية الجميع، لا أن يسأل القاتل عن النفس التي قتلها، بل المجتمع كله مسئول عن هذه الجريمة. ﴿ التي حرم الله.. ﴾ [الإسراء: 33] أي: جعلها محرمة لا يجوز التعدي عليها لأنها بنيان الله وخلقته وصناعته، وبنيان الله لا يهدمه أحد غيره. أو نقول: ﴿ النفس التي حرم الله.. ﴾ [الإسراء: 33] أي: حرم الله قتلها. ﴿ إلا بالحق.. ﴾ [الإسراء: 33] هذا استثناء من الحكم السابق الذي قال: لا تقتلوا النفس التي حرم الله ﴿ إلا بالحق ﴾ أي: ولكن اقتلوها بالحق، والحق هنا المراد به ثلاثة أشياء: - القصاص من القاتل. - الردة عن الإسلام. - زنا المحصن أو المحصنة. وهذه أسباب ثلاثة توجب قتل الإنسان، والقتل هنا يكون بالحق أي: بسبب يستوجب القتل. وقد أثار أعداء الإسلام ضجة كبيرة حول هذه الحدود وغيرها، واتهموا الإسلام بالقسوة والوحشية، وحجتهم أن هذه الحدود تتنافى وإنسانية الإنسان وآدميته، وتتعارض مع الحرية الدينية التي يقول بها الإسلام في قوله تعالى:
لا إكراه في الدين..
[البقرة: 256]. ففي القصاص قالوا: لقد خسر المجتمع واحدا بالقتل، فكيف نزيد من خسارته بقتل الآخر؟ نقول: لا بد أن نستقبل أحكام الله بفهم واع ونظرة متأملة، فليس الهدف من تشريع الله للقصاص كثرة القتل، إنما الهدف ألا يقع القتل، وألا تحدث هذه الجريمة من البداية. فحين يخبرك الحق سبحانه أنك إن قتلت فسوف تقتل، فهو يحمي حياتك وحياة الآخرين. وليس لدى الإنسان أغلى من حياته، حتى القاتل لم يقتل إلا لأنه يحب الحياة، وقتل من أجلها من قتل لأنه ربما خدش عزته أو كرامته، وربما لأنه عدو له أقوى منه. ولا شك أن حياته أغلى من هذا كله، فحين نقول له: إن قتلت ستقتل، فنحن نمنعه أن يقدم على هذه الجريمة، ونلوح له بأقسى ما يمكن من العقوبة. ولذلك قالوا: القتل أنفى للقتل. وقال تعالى:
ولكم في القصاص حياة يأولي الألباب..
[البقرة: 179]. وهذا نداء لأصحاب الأفهام والعقول الواعية، ليس القصاص كما يظن البعض، بل فيه الحياة وفيه سلامة المجتمع وحقن الدماء. ويجب أن يكون عندنا يقظة استقبال لأحكام الله لأن القاتل ما قتل إلا حينما غفل عن الحكم، ويجب أيضا أن ننظر إلى حكم القصاص نظرة موضوعية، لأنه كما حمى غيري من قتلي له حماني أيضا من قتل غيري لي، وما دامت المسألة: لك مثل ما عليك، وحظك منها كحظ الناس جميعا، فلماذا الاعتراض؟ وكذلك في السرقة، حينما يقول لك: لا تسرق، فأنت ترى أن هذا الأمر قد قيد حريتك أنت، لكن الحقيقة أنه أيضا قيد حرية الآخرين بالنسبة للسرقة منك.
والذي يتأمل هذه الحدود يجدها في صالح الفرد لأنها تقيد حريته وهو فرد واحد، وتقيد من أجله حرية المجتمع كله. وفي الزكاة، حينما يوجب عليك الشارع الحكيم أن تخرج قدرا معلوما من مالك للفقراء، فلا تقل: هذا مالي جمعته بجهدي وعرقي. ونقول لك: نعم هو مالك، ولكن لا تنس أن الأيام دول وأغيار، والغني اليوم قد يفتقر غدا، فحين تعضك الأيام فسوف تجد من يعطيك، ويكيل لك بنفس الكيل الذي كلت به للناس. إذن: يجب أن نكون على وعي في استقبال الأحكام عن الله تعالى، وأن ننظر إليها نظرة شمولية، فنرى ما لنا فيها وما علينا، وما دامت هذه الأحكام تعطينا بقدر ما تأخذ منا فهي أحكام عادلة. وحكم القصاص يجعل الإنسان حريصا على نفسه، ويمنعه أن يقدم على القتل، فإن غفل عن هذا الحكم وارتكب هذه الجريمة فلا بد أن يقتص منه فإن أخذتنا الشهامة وتشدقنا بالإنسانية والكرامة والرحمة الزائفة، وعارضنا إقامة الحدود فليكن معلوما لدينا أن من يعارض في إعدام قاتل فسوف يتسبب في إعدام الملايين، وسوف يفتح الباب لفوضى الخلافات والمنازعات، فكل من اختلف مع إنسان سارع إلى قتله لأنه لا يوجد رادع يردعه عن القتل. إذن: لكي نمنع القتل لا بد أن ننفذ حكم الله ونقيم شرعه ولو على أقرب الناس لأن هذه الأحكام ما نزلت لتكون كلاما يتلى وفقط بل لتكون منهجا عمليا ينظم حياتنا، ويحمي سلامة مجتمعنا. لذلك جعل الحق سبحانه وتعالى تنفيذ هذه الأحكام علانية أمام الجميع، وعلى مرأى ومسمع المجتمع كله ليعلموا أن أحكام الله ليست شفوية، بل ها هي تطبق أمامهم، وصدق الله تعالى حين قال: