إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه..
[المائدة: 90]. فكيف كانت معالجة هذه الآفة التي تمكنت من الناس لو نزل القرآن جملة واحدة؟ إن الحق تبارك وتعالى بنزول القرآن مفرقا منجما حسب الأحداث، كأنه يجري مشاركة بين آيات التنزيل والمنفعلين بها الذين يصرون على تنفيذ مطلوباتها، حتى إنهم ليبادرون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسؤال، مع أنه صلى الله عليه وسلم قد نهاهم أن يبدأوه بالسؤال، كما قال تعالى:
يأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشيآء إن تبد لكم تسؤكم..
[المائدة: 101]. ولكنهم مع هذا تغمزهم المسألة فيبادرون بها رسول الله، كما حكى القرآن:
يسألونك عن الخمر والميسر..
[البقرة: 219].
ويسألونك ماذا ينفقون..
[البقرة: 219].
يسألونك عن الأهلة..
[البقرة: 189].
ويسألونك عن الجبال..
[طه: 105]. إذن: وراء نزول القرآن مفرقا منجما حكم بالغة يجب تدبرها، هذه الحكم ما كانت لتحدث لو نزل القرآن جملة واحدة. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ قل آمنوا به أو لا تؤمنوا... ﴾.
17.107
قوله تعالى: ﴿ قل آمنوا به أو لا تؤمنوا.. ﴾ [الإسراء: 107] آمنوا: أمر، ولا تؤمنوا: نهي. والأمر والنهي نوعان من الطلب، والطلب أن تطلب من الأدنى أن يفعل، والنهي أن تطلب من الأدنى ألا يفعل، فإن كان الطلب من مساو لك فهو التماس، وإن كان إلى أعلى منك فهو دعاء. لذلك حينما نقول للطالب أعرب: رب اغفر وارحم يقول: اغفر فعل أمر، نقول له: أنت سطحي العبارة لأن الأمر هنا من الأدنى للأعلى، من العبد لربه تبارك وتعالى، فلا يقال: أمر، إنما يقال: دعاء. والطاعة أن تمتثل الأمر والنهي، فهل نقول في قوله تعالى: ﴿ قل آمنوا به أو لا تؤمنوا.. ﴾ [الإسراء: 107] أنها للتخيير، فإن آمنوا فقد أطاعوا، وكذلك إن لم يؤمنوا فقد أطاعوا أيضا؟ نقول: الأمر والنهي هنا لا يراد منه الطلب، بل يراد به التهديد أو التسوية كما تقول لابنك حين تلاحظ عليه الإهمال: ذاكر أو لا تذاكر، أنت حر لا شك أنك لا تقصد النهي عن المذاكرة، بل تقصد تهديده وحثه على المذاكرة. فقوله: ﴿ قل آمنوا به أو لا تؤمنوا.. ﴾ [الإسراء: 107] للتسوية، كما قال:
فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر..
[الكهف: 29]. فهذا ليس أمرا بحيث أن الذي يفعل الأمر أو النهي يكون طائعا، بل المراد هنا التهديد أو التسوية، فسواء آمنوا أو كفروا لأن الحق سبحانه جعل في ذلك عزاء لرسوله صلى الله عليه وسلم في إيمان أهل الكتاب. ﴿ إن الذين أوتوا العلم من قبله.. ﴾ [الإسراء: 107] أي: اليهود والنصارى الذين ارتاضوا بالكتب السماوية، واستمعوا للتوراة والإنجيل، ونقلوها إلى غيرهم من المعاصرين للقرآن فهؤلاء شاهدون بأن الرسول حق بما عندهم من بشارة به في التوراة والإنجيل لذلك يتركون دينهم ويسارعون إلى الإسلام لأنهم يعلمون علم اليقين أنه الدين الحق. ومن هؤلاء عبد الله بن سلام، وكان من علماء اليهود، وكان يعلم أوصاف رسول الله وزمن بعثته لذلك قال: لقد عرفته حين رأيته كمعرفتي لابني، ومعرفتي لمحمد أشد. ولما اختمر الإسلام في نفسه ذهب إلى رسول الله وصارحه بما نوى من اعتناق الإسلام، وقال:
" يا رسول الله إن اليهود قوم بهت فإن أعلنت إسلامي الآن قالوا في ما ليس في، فاسألهم عني وأنا ما زلت على دينهم، وانظر ما يقولون، فسألهم رسول الله: ما تقولون في ابن سلام؟ فقالوا: حبرنا وابن حبرنا، ووصفوه بخير الصفات، وأطيب الخصال، فقال عبد الله: يا رسول الله، أما وقد قالوا في ما قالوا فأشهد ألا إله إلا الله وأنك رسول الله، فإذا بهم يذمونه ويتهمونه بأخس الخصال، فقال: يا رسول الله ألم أقل لك إنهم قوم بهت ".
إذن: ففي إيمان عبد الله بن سلام وغيره من اليهود والنصارى الذين عرفوا رسول الله بأوصافه في كتبهم وعرفوا موعد بعثته وأنه حق، في إيمان هؤلاء عزاء لرسول الله حين كفر به قومه وكذبوه لذلك قال تعالى: