من ذا الذي ما ساء قط
ومن له الحسنى فقط
إذن: فمن الحكمة أن يأمر الله تعالى بستر غيب خلقه عن خلقه حتى تستمر حركة الحياة لأن الإنسان ابن أغيار، وقلبه سريعا ما يتقلب، ولربما لو عرفت عنك شيئا مستورا لتغيرت لك وأنت كذلك، ولربما تقطعت بيننا حبال المودة، إنما بالستر ينتفع كل منا بالآخر. ومن هنا قالوا: لو تكاشفتم ما تدافنتم، أي: لو تكشفت الأسرار، وعرف كل منكم عيب أخيه ما دفنتم من يموت منكم، وهذا منتهى ما يمكن تصوره من التقاطع بين الناس. فقوله تعالى: ﴿ قل ادعوا الله.. ﴾ [الإسراء: 110] فاختار هذا الاسم بالذات ﴿ الله ﴾ العلم على واجب الوجود، وهو اسم ذات لا يدل على صفة معينة، لكنه يحمل في طياته كل صفات الكمال فيه، فإن كانت للأسماء الأخرى مجالات، فالقادر في القدرة، والحكيم في الحكمة، والقابض في القبض، والعزيز في العزة. فإن لكل اسم مجالا وسيالا، فإن ﴿ الله ﴾ هو الاسم الجامع لكل الصفات. لذلك في الحديث النبوي الشريف:
" كل شيء لا يبدأ باسم الله فهو أبتر ".
لماذا؟ لأنك حين تقدم على أي فعل تحتاج أولا إلى حكمة لتعرف من خلالها لماذا تفعل، وتحتاج إلى قدرة تعينك على إنجازه، وتحتاج إلى علم بمصير هذا الفعل وعاقبته، إذن: تحتاج إلى صفات كثيرة، فحين تقبل على العمل لا تقل: يا حكيم يا قادر يا عليم، إنما الحق سبحانه يريحك، ويكفي أن تقول في الإقدام على الفعل: باسم الله.
لأنك ذكرت الاسم الجامع لكل صفات الكمال. ﴿ أو ادعوا الرحمن.. ﴾ [الإسراء: 110] واختار الرحمن دون الجبار أو القهار لأن الرحمة صفة التحنين للخلق، فالحق سبحانه وتعالى يظهر هذه الصفة لعباده حتى في أسماء الجبار والقهار لأنها من خدم الرحمة ومن أسبابها لأن العبد إذا عرف لله: صفة الجبروت، وصفة القهر، وصفة الانتقام انتهى عن أسباب الوقوع تحت طائلة هذه الصفات، فكأنه يرحم عباده حتى بصفات القهر والانتقام. ومن هذا قول الحق تبارك وتعالى:
ولكم في القصاص حياة يأولي الألباب..
[البقرة: 179] لأنه إذا علم القاتل أنه سيقتل انتهى عن القتل. وفي الأثر: " القتل أنفى للقتل ". إذن: فتشريع القصاص وإقامة الحدود والعقوبات لا لتعذيب الخلق، وإنما رحمة بهم حتى يقفوا بعيدا عن ارتكاب ما يوجب القصاص أو الحد أو العقوبة، حتى الذي يقهره الله مرحوم أيضا لأنه ما دام قال: أنا قهار. فاحذرني، فهو بذلك يرحمه لأنه يحذره من أسباب الوقوع فيما يستوجب غضبه وانتقامه. وكذلك اختار اسم ﴿ الرحمن ﴾ لأن مجال التكليف كله الرحمة، وما نزل المنهج من الله إلا لينظم حياة الناس ويحقق لهم السعادة في حركة الحياة، فيتكامل الخلق فيما بينهم، ويتعاونون، ويتساندون ولا يتعاندون، ويكونون جميعا على قلب رجل واحد، هذه غاية المنهج الإلهي في دنيا الناس أن يعيش المجتمع المسلم آمنا سالما. فالرحمانية الإلهية هي الغالبة في كل التشريع، وهي السمة العامة، ألا ترى قوله تعالى:
الرحمن * علم القرآن
[الرحمن: 1-2]. فالقرآن الذي نزل لينظم حياة الناس ويحكمها، ويصلح حركة الحياة، ويضع السلام بينك وبين الله، وبينك وبين نفسك، وبينك وبين الناس، هذا القرآن مظهر من مظاهر هذه الرحمانية الإلهية. وقد اعترض بعض المستشرقين على قوله تعالى في سورة الرحمن:
فبأي آلاء ربكما تكذبان
[الرحمن: 13] والآلاء هي النعم، وأنها جاءت تذييلا لقوله تعالى:
يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران
[الرحمن: 35] فالآية تتحدث عن النار والشواظ، فكيف تختم هذه الخاتمة التي تدل على النعمة؟ ولو تدبر القوم ما اعترضوا لأن في النار والتحذير منها والتخويف بها نعمة، كأن القرآن يقول لك: إياك أن تفعل ما يوجب النار والشواظ فتقلع وترتدع من قريب، أليست هذه من نعم الله على عباده؟ أليست رحمة بهم؟ وماذا كنتم ستقولون إن لم يقدم لكم الحق سبحانه تحذيرا وإنذارا، ثم فاجأكم بالعذاب؟ ونقف على لطيفة أخرى لاستخدام اسم الله ﴿ الرحمن ﴾ في قوله تعالى: