17.34
وهنا أيضا يقول الحق سبحانه: ﴿ ولا تقربوا.. ﴾ [الإسراء: 34]. ولم يقل: ولا تأكلوا مال اليتيم ليحذرنا من مجرد الاقتراب، أو التفكير في التعدي عليه لأن اليتم مظهر من مظاهر الضعف لا يصح أن تجترئ عليه. و اليتيم هو من مات أبوه وهو لم يبلغ مبلغ الرجال وهو سن الرشد، وما دام قد فقد أباه ولم يعد له حاضن يرعاه، فسوف يضجر ويتألم ساعة أن يرى غيره من الأولاد له أب يحنو عليه، وسوف يحقد على القدر الذي حرمه من أبيه. فيريد الحق سبحانه وتعالى أولا أن يستل من قلب اليتيم وفكره هذه المشاعر لذلك يوصي المجتمع به ليشعر أنه وإن فقد أباه فالمؤمنون جميعا له آباء، وفي حنوهم وعطفهم عوض له عن وفاة والده. وكذلك حينما يرى الإنسان أن اليتيم مكرم في مجتمع إيماني يكفله ويرعاه، ويعتبره كل فرد فيه ابنا من أبنائه، يطمئن قلبه ولا تفزعه أحداث الحياة في نفسه، ولا يقلق إن قدر له أن ييتم أولاده، فسوف يجدون مثل هذه الرعاية، ومثل هذا الحنان من المجتمع الإيماني. إذن: إن وجد اليتيم في المجتمع عوضا عن أبيه عطفا وحنانا ورعاية يرضى بما قدر له، ولا يتأبى على قدر الله، وكذلك تطمئن النفس البشرية إن قدر عليها اليتم في أولادها. ثم يقول تعالى: ﴿ إلا بالتي هي أحسن.. ﴾ [الإسراء: 34]. أي: لا تنتهز يتم اليتيم، وأنه ما يزال صغيرا ضعيف الجانب فتطمع في ماله، وتأخذه دون وجه حق. وقوله: ﴿ إلا بالتي هي أحسن.. ﴾ [الإسراء: 34] استثناء من الحكم السابق ﴿ ولا تقربوا.. ﴾ يبيح لنا أن نقرب مال اليتيم، ولكن بالتي هي أحسن. و ﴿ أحسن ﴾ أفعل تفضيل تدل على الزيادة في الإحسان، فكأن لدينا صفتين ممدوحتين: حسنة وأحسن، وكأن المعنى: لا تقربوا مال اليتيم بالطريقة الحسنة فحسب، بل بالطريقة الأحسن. فما الطريقة الحسنة؟ وما الطريقة الأحسن؟ الطريقة الحسنة: أنك حين تقرب مال اليتيم لا تبدده ولا تتعدى عليه. لكن الأحسن: أن تنمي له هذا المال وتثمره وتحفظه له، إلى أن يكون أهلا للتصرف فيه. لذلك فالحق سبحانه حينما تكلم عن هذه المسألة قال:
وارزقوهم فيها..
[النساء: 5]. ولم يقل: وارزقوهم منها لأن الرزق منها ينقصها، لكن معنى:
وارزقوهم فيها..
[النساء: 5] أي: من ريعها وربحها، وليس من رأس المال. وإلا لو تصورنا أن أحد الأوصياء على الأيتام عنده مال ليتيم، وأخذ ينفق عليه من هذا المال، ويخرج منه الزكاة وخلافه، فسوف ينتهي هذا المال ويبلغ اليتيم مبلغ الرشد فلا يجد من ماله شيئا يعتد به. وكأن الحق - تبارك وتعالى - يقول: حققوا الحسن أولا بالمحافظة على مال اليتيم، ثم قدموا الأحسن بتنميته له وزيادته زيادة تتسع لنفقات حياته، وإلا فسوف يشب الصغير، وليس أمامه من ماله شيء.
والحق سبحانه وتعالى يريد ألا يحرم اليتيم من خبرة أصحاب الخبرة والصلاحية الاقتصادية وإدارة الأموال، فقد يكون من هؤلاء من ليس لديه مال يعمل فيه، فليعمل في مال اليتيم ويديره له وينميه، وليأكل منه بالمعروف، وإن كان غنيا فليستعفف عنه لأنه لا يحل له، يقول تعالى:
ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف..
[النساء: 6]. لأن الإنسان إذا كان عنده خبرة في إدارة الأموال ولديه الصلاحية فلا نعطل هذه الخبرة، ولا نحرم منها اليتيم، وهكذا نوفر نفقة صاحب الخبرة الذي لا يجد مالا، ونفقة اليتيم الذي لا يستطيع إدارة أمواله، وبذلك يتم التكامل في المجتمع الإيماني. ثم يقول تعالى: ﴿ حتى يبلغ أشده.. ﴾ [الإسراء: 34]. أي: حتى يكبر ويبلغ مبلغ الرجال، ولكن هل هذه الصفة كافية لكي نعطي لليتيم ماله وقد بلغ سن الرشد والتكليف؟ في الحقيقة أن هذه الصفة غير كافية لنسلم له ماله يتصرف فيه بمعرفته لأنه قد يكون مع كبر سنه سفيها لا يحسن التصرف، فلا يجوز أن نترك له المال ليبدده، بدليل قوله تعالى: