" إنما أنا بشر يرد علي - أي بالوحي - فأقول: أنا لست كأحدكم، ويؤخذ مني فأقول: ما أنا إلا بشر مثلكم ".
فانظر إلى أي حد كان تواضعه صلى الله عليه وسلم؟ ولما اتهموا الرسول صلى الله عليه وسلم، فقالوا:
أفترى على الله كذبا أم به جنة..
[سبأ: 8] فرد عليهم الحق سبحانه بقوله:
أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين
[هود: 13]. ثم يتنزل معهم في هذا التحدي، ويترأف بهم:
وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله..
[البقرة: 23]. ثم يناقشهم في هذه المسألة بهذا الأدب الرفيع والنموذج العالي للحوار:
قل إن افتريته فعلي إجرامي وأنا بريء مما تجرمون
[هود: 35]. وفي آية أخرى يقول:
قل لا تسألون عمآ أجرمنا ولا نسأل عما تعملون
[سبأ: 25]. فانظر إلى هذا الأدب: رسول الله حين يتحدث عن نفسه يقول ﴿ أجرمنا ﴾ وحين يتحدث عن أعدائه لا ينسب إليهم الإجرام، بل يقول: ﴿ ولا نسأل عما تعملون ﴾. هذا كله من الحق الذي جاء به القرآن ليرد عن رسول الله اتهامات القوم، وبالله لو نزل القرآن جملة واحدة، أكان من الممكن الرد على هذه الاتهامات ومجادلة القوم فيما يثيرونه من قضايا؟ وإن كانت هذه الأمثلة خاصة برسول الله صلى الله عليه وسلم وتبرئة ساحته في مجال الدعوة إلى الله، فهناك أيضا ما يتعلق بالأحكام والتشريع، فالقرآن نزل بالعقائد والأحكام والتشريعات، ونزل ليكون دائما ثابتا لا يتغير إلى يوم القيامة، ولن ينسخ منه حرف واحد كما حدث في الكتب السابقة عليه. فإن نظرت إلى العقائد وجدت الكلام فيها قاطعا لا هوادة فيه، يأتي هكذا قولا واحدا، فالله واحد أحد لا شريك له، له صفات الكمال المطلق، وكذلك الحديث عن الملائكة والبعث والحساب.
لكن تجد الأمر يختلف في الحديث عن العادات التي ألفها الناس في حركة الحياة، فهذه أمور تحتاج إلى تلطف وتدرج، ولا يناسبها القصر والقطع. ألم تر إلى المشرع سبحانه حينما أراد أن يحرم الخمر، كيف تدرج في تحريمها على عدة مراحل حتى يجتث هذه العادة التي تحكمت في نفوس الناس وتملكتهم، أكان يمكن معالجة هذه المسألة بهذه الطريقة إذا نزل القرآن جملة واحدة؟ انظر كيف لفت أنظار القوم بلطف إلى أن في الخمر شيئا، فقال تعالى:
ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا..
[النحل: 67]. ولما سمع بعض الصحابة هذه الآية قال: والله لكأن الله يبيت للخمر شيئا، لقد فهم بملكته العربية أن الله تعالى طالما وصف الرزق بأنه حسن، وسكت عن السكر فلم يصفه بالحسن، فإن وراء هذا الكلام أمرا في الخمر لأنه يتلف نعمة الله ويفسدها على أصحابها. ثم يحول هذه المسألة إلى عظة وإرشاد، فيقول:
يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهمآ إثم كبير ومنافع للناس وإثمهمآ أكبر من نفعهما..
[البقرة: 219]. وهكذا قرر لهم الحقيقة بعد أن سألوا هم عنها، وترك لهم حرية الاختيار، فالأمر ما زال عظة ونصيحة لا تشريعا ملزما، إلا أنه مهد الطريق للقطع بتحريمها بعد ذلك. ثم حدث من أحدهم أن صلى وهو مخمور لا يدري ما يقول، فلما سمعوه يقول: قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون، فغمزه من بجواره وعرف أنه مخمور، ووصل خبره إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل قوله تعالى:
يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون..
[النساء: 43]. وبذلك أطال مدة الامتناع عن شرب الخمر، فالصلاة خمس مرات في اليوم والليلة، فإذا لا بد من الامتناع عن الخمر قبل الصلاة بوقت كاف، وهكذا عودهم الامتناع ودربهم على الصبر عن هذه الآفة التي تمكنت منهم. ثم يتحين الحق سبحانه فرصة منهم، حيث اجتمع القوم في مجلس من مجالس الشراب، ولما لعبت الخمر بالعقول تشاجروا حتى سالت دماؤهم، وعندها ذهبوا بأنفسهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه: يا رسول الله بين لنا في الخمر رأيا شافيا، وهنا ينزل الوحي على رسول الله بالحكم القاطع: