تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلم دينا..

[المائدة: 3]. إذن: نزل القرآن بما هو حق من: إلهيات وملائكة ونبوات ومعجزات وأحكام وشرائع، كلها حق ثابت لا شك فيه، فنزل الحق الثابت من الله بواسطة من اصطفاه من الملائكة وهو جبريل على من اصطفاه من الناس وهو محمد، وفي طي ما نزل الحق الثابت الذي لا يتغير.

وصدق الحق سبحانه حين قال:

إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون

[الحجر: 9]. ونسوق هنا دليلا عصريا على أن كتاب الله جاء بالحق الثابت الذي لا يتغير على مر العصور، ففي ألمانيا استحدث أحد رجال القانون قانونا للتعسف في استعمال الحق، وظنوا أنهم جاءوا بجديد، واكتشفوا سلاحا جديدا للقانون ليعاقب من له حق ويتعسف في استعمال حقه. ثم سافر إلى هناك محام من بني سويف للدراسة، فقرأ عن القانون الجديد الذي ادعوا السبق إليه، فأخبرهم أن هذا القانون الذي تدعونه لأنفسكم قانون إسلامي ثابت وموجود في سنة رسول الله، فعمدوا إلى كتب السيرة، فوجدوا قصة الرجل الذي شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رجلا له نخلة يمتلكها داخل بيته، أو أنها تميل في بيته، فأخذها ذريعة وجعل منها مسمار جحا، وأخذ يقتحم على صاحب البيت بيته بحجة أنه يباشر نخلته، فماذا كان حكم الرسول في هذه المسألة؟ هذا الرجل له حق في النخلة، فهي ملك له لكنه تعسف في استعمال حقه، وأتى بما لا يليق من المعاملة، فالمفروض ألا يذهب إلى نخلته إلا لحاجة، مثل: تقليمها، أو تلقيحها، أو جمع ثمارها. لقد أحضر رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل وقال له:

" إما أن تهب له هذه النخلة، وإما أن تبيعها له، وإما قطعناها ".

أليس ذلك من الحق الذي سبق به الإسلام؟ وأليس دليلا على استيعاب شرع الله لكل كبيرة وصغيرة في حياة الناس؟ أضف إلى ذلك ما قاله بعض العلماء من أهل الإشراقات في معنى: ﴿ وبالحق نزل ﴾ أي: وعلى الحق الذي هو رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل القرآن كما تقول: ذهبت إلى القاهرة ونزلت بفلان. أي: نزلت عنده أو عليه. ثم يقول تعالى: ﴿ ومآ أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا ﴾ [الإسراء: 105]. والبشارة تكون بالخير، والنذارة تكون بالشر، ويشترط في التبشير والإنذار أن تعطى للمبشر أو للمنذر فرصة يراجع فيها نفسه، ويعدل من سلوكه، وإلا فلا فائدة، ولا جدوى منهما، فتبشر بالجنة وتنذر بالنار في متسع من الوقت ليتمكن هذا من العمل للجنة، ويتمكن هذا من الإقلاع عن سبيل النار. ومثال ذلك: أنك تبشر ولدك بالنجاح والمستقبل الباهر إن اجتهد، وتحذره من الفشل إن أهمل، وهذا بالطبع لا يكون ليلة الامتحان، بل في متسع أمامه من الوقت لينفذ ما تريد. والحق سبحانه وتعالى هنا يخبر رسوله صلى الله عليه وسلم بحقيقة مهمته كرسول عليه البلاغ بالبشارة والنذارة، فلا يحمل نفسه فوق طاقتها لأنه ليس ملزما بإيمان القوم، كما قال تعالى:

فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا

[الكهف: 6]. أي: مهلكها حزنا على عدم إيمانهم، وفي آية أخرى قال:

لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين

[الشعراء: 3]. فكأنه سبحانه يخفف العبء عن رسوله، ويدعوه ألا يتعب نفسه في دعوتهم، فما عليه إلا البلاغ، وعلى الله تبارك وتعالى الهداية للإيمان. لكن حرص رسول الله على هداية قومه نابع من قضية تحكمه وتستولي عليه لخصها في قوله:

" والله لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ".

فالنبي صلى الله عليه وسلم كامل الإيمان، ويحب لقومه أن يكونوا كذلك، حتى أعداؤه الذين وقفوا في وجه دعوته كان إلى آخر لحظة في الصراع يرجو لهم الإيمان والنجاة لذلك لما مكن منهم لم يعاجلهم بالعقوبة، بل قال:

" بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، لا يشرك به شيئا ".

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٣٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٣٤٥