تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره

[الزلزلة: 7-8]. وبتقدم وسائل البحث توصلوا إلى تفتيت الذرة أو شطرها، ووجدنا في الكون ما هو أقل من الذرة، فظن البعض أن هذه لا ذكر لها في القرآن، وظنوا أنهم تصيدوا على القرآن مأخذا، ولو أمعنوا النظر في كتاب الله لوجدوا لهذا التطور العلمي رصيدا في كتاب الله حيث قال تعالى:

وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السمآء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين

[يونس: 61]. والقرآن يقول ﴿ أصغر ﴾ لا صغير، فلو فتتنا أجزاء الذرة لوجدنا لها رصيدا واحتياطا في كتاب الله، ألا ترى في ذلك إعجازا؟ إذن: تحداهم الحق سبحانه بقوله: { قل لئن اجتمعت الإنس والجن.

. } [الإسراء: 88] وأدخل الجن في مجال التحدي لأن العرب كانوا يعتقدون أن لكل شاعر نابغ، أو أديب مفوه، أو عبقري عنده نبوغ بياني شيطانا يلهمه، وهذه الشياطين تسكن واديا عندهم يسمونه " وادي عبقر " ، لذلك لم يكتف القرآن بتحديهم هم، بل تحدى أيضا من يلهمونهم، أو من ينسبون إليهم القوة في هذا الأمر. ثم يقول تعالى: ﴿ على أن يأتوا بمثل هذا القرآن.. ﴾ [الإسراء: 88] فالتحدي أن يأتوا بمثله لأنه لا يمكن أن يأتوا به نفسه لأنه نزل من عند الله وانتهى الأمر، فمستحيل أن يأتوا به نفسه مرة أخرى لأن الواقع لا يقع مرتين. إذن: المتصور في مجال التحدي أن يأتوا بمثله، فلو قلت: هذا الشيء مثل هذا الشيء، فلا شك أن المشبه به أقوى وأصدق من المشبه، ولا يرتقي المشبه ليكون هو المشبه به بل مثله، فإذا انتفى المثل فقد انتفى الأصل من باب أولى. فالحق سبحانه في قوله: ﴿ لا يأتون بمثله.. ﴾ [الإسراء: 88] لا ينفي عنهم أن يأتوا بقرآن، بل بمثل القرآن، فإذا كانوا لا يأتون بالصورة، فهل يقدرون على الأصل؟! ثم يقول تعالى زيادة في التحدي: ﴿ ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ﴾ [الإسراء: 88]. والظهير: هو المعاون والمساعد والمعين على الأمر، ومنه قوله تعالى:

وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير

[التحريم: 4]. لأنه قد يقول قائل: إن هذه المهمة لا يقوم بها فرد واحد، فقال لهم سبحانه: بل هاتوا كل ما لديكم من طاقات إبداعية وعبقريات بيانية، واستعينوا بما تزعمون من إلهام الجن، وتعاونوا جميعا في سبيل هذا التحدي، حتى إذا كان في أحدكم نقص أكمله الآخر. لكن، هل ظل التحدي قائما على أن يأتوا بمثل القرآن؟ المتتبع لهذا الموضوع في القرآن الكريم يجد الحق تبارك وتعالى يتنزل معهم في القدر المطلوب للتحدي، وهذا التنزل يدل على ارتقاء التحدي، فبعد أن تحداهم بأن يأتوا بمثل القرآن، تحداهم بعشر سور، ثم تحداهم بسورة واحدة، وكلما تنزل معهم درجة ارتقى بالتحدي، فلا شك أن تحديهم بسورة واحدة أبلغ من تحديهم بمثل هذا القرآن. وهذا التنزل الذي يفيد الارتقاء كما نجمع مثلا بين المتناقضات، فنقول: صعد إلى الهاوية، وانحدر إلى القمة. ومع هذا التنزل لم يستطيعوا الإتيان بمثل آية واحدة من كتاب الله. ويجب أن نلتفت إلى مغزى آخر من وراء هذا التحدي، فليس الهدف منه تعجيز القوم، بل أن نثبت لهم السواسية بين الخلق، فالجميع أمام الإله الواحد سواء، وهذه هي القضية التي تزعجهم وتقض مضاجعهم، والقرآن سيثبت لهم صدق محمد، وسيرفع من مكانته بين القوم، وهم الذين يحاولون إيذاءه ويدبرون لقتله.

ولذلك من غبائهم أن قالوا:

لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم

[الزخرف: 31]. إذن: فاعتراضهم ليس على القرآن في حد ذاته، بل على محمد الذي نزل القرآن عليه، فهم يحسدونه على هذه المكانة، كما قال تعالى:

أم يحسدون الناس على مآ آتاهم الله من فضله..

[النساء: 54]. وسبحان الله، إذا كان الخلق يختلفون أمام رحمة الله في مسائل الدنيا التي لهم فيها أسباب وسعي واجتهاد، فكيف بالأمر الذي ليس في أيديهم؟ كيف يريدون التدخل فيه:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٣٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٣٢٣