ومن يك ذا فم مر مريض
يجد مرا به الماء الزلالا
وقوله:
وأتعس الناس حظا من تكون له
نفس الملوك وحالات المساكين
وهب أن ولدك أهمل دروسه طوال العام وعند الامتحان أخذ يجد ويجتهد ويرهق نفسه، هنا يمكنك أن تقول له: قبل الرماء تملأ الكنائن والكنانة هي المخلاة التي توضع بها السهام، وهذه لا بد أن يعدها الصياد قبل صيده لا وقت الصيد. إذن: لأهمية المثل في لغة العرب جعله القرآن لونا أسلوبيا، وأداة للإقناع، كما في قوله تعالى:
إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها..
[البقرة: 26]. لأن الله تعالى يخاطب بالقرآن عقولا مختلفة وطبائع متعددة لذلك لا يستحي أن يضرب المثل بأحقر مخلوقاته ليقنع الجميع كلا بما يناسبه. وقوله: ﴿ فما فوقها ﴾ قد يقول قائل: ولماذا قال ﴿ فما فوقها ﴾ ، فالعجيب هنا مسألة الصغر؟ نقول: المراد بما فوقها.
أي: في المعنى المراد، وهو الصغر. أي: ما فوقها في الصغر لا أكبر منها. ثم يأتي بالمعنى في صورة أخرى:
يأيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب
[الحج: 73]. وفي آية أخرى يقول سبحانه:
مثل الذين اتخذوا من دون الله أوليآء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون
[العنكبوت: 41]. إذن: يصرف الله الأمثال ويحولها ليأخذ كل طبع ما يناسبه وما يقتنع به، وليس القرآن على وتيرة واحدة أو مزيج واحد يعطي للجميع. بل يشخص الداءات ويحللها ويعالجها بما يناسبها لذلك يأتي الأسلوب مختلفا. وهذه المسألة واضحة في الحديث النبوي الشريف، حيث كان الصحابة يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم السؤال الواحد، وتأتي الإجابة مختلفة من شخص لآخر، فقد سئل صلى الله عليه وسلم كثيرا:
" ما أفضل الأعمال يا رسول الله؟ فقال للسائل: " الصلاة لوقتها ". وقال لآخر: " بر الوالدين " وقال لآخر: " أن تلقى أخاك بوجه طلق ".
وهكذا جاءت الإجابة مختلفة من شخص لآخر لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يراعي حال سائله، ويحاول أن يعالج نقطة الضعف فيه، فالأمر ليس أكلشيه ثابتا يعطيه للجميع، بل هي مراعاة الأحوال والطباع. ثم يقول تعالى: ﴿ فأبى أكثر الناس إلا كفورا ﴾ [الإسراء: 89]. نعرف أن إلا أداة استثناء، تخرج ما بعدها من حكم ما قبلها، كما تقول: جاء القوم إلا زيدا، ولو طبقنا هذه القاعدة على الآية لا يستقيم معناها، كما لو قلت: ضربت إلا زيدا، والآية أسلوب عربي فصيح. نقول: لأن معنى أبى: لم يقبل ولم يرض، فالمراد: لم يرض إلا الكفور، فلا بد للاستثناء المفرغ أن يسبق بنفي. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا... ﴾.