تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ما منعك أن تسجد..

[ص: 75]. والقول بوجود حروف زائدة في كتاب الله قول لا يليق، وننزه المتكلم سبحانه أن يكون في كلامه زيادة، والمتأدب منهم يقول لا حرف وصل، كأنه يستنكف أن يقول: زائدة. والحقيقة أن لا هنا ليست زائدة، وليست للوصل، بل هي تأسيس يضيف معنى جديدا، لأن

ما منعك أن تسجد..

[ص: 75]. كأنه هم أن يسجد، فجاءه من يمنعه عن السجود، لأنه لا يقال: ما منع من كذا إلا إذا كان لديك استعداد للفعل، وإلا من أي شيء سيمنعك؟ أما و

ما منعك ألا تسجد..

[الأعراف: 12] تعني: ما منعك بإقناعك بأنك لا تسجد، فالمعنيان مختلفان، ونحن في حاجة إليهما معا. ثم يقول تعالى: ﴿ أأسجد لمن خلقت طينا.. ﴾ [الإسراء: 61]. والهمزة للاستفهام الذي يحمل معنى الاعتراض أو الاستنكار، وقد فسرت هذه الآية بآيات أخرى، مثل قوله تعالى:

أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين

[الأعراف: 12]. فالمخلوقية لله متفق عليها، إنما الاختلاف في عنصر المخلوقية هذا من نار وهذا من طين، لكن من قال لك يا إبليس: إن النار فوق الطين، أو خير منه؟ من أين أتيت بهذه المقولة وكلاهما مخلوق لله، وله مهمة في الكون؟ وهل نستطيع أن نقول: إن العين خير من الأذن مثلا؟ أم أن لكل منهما مهمتها التي لا تؤديها الأخرى؟ وسبق أن قلنا مثلا: إنك تفضل الحديد إن كان مستقيما، أما إن أردت خطافا فالاعوجاج خير من الاستقامة، أو: أن اعوجاجه هو عين الاستقامة فيه، فكل شيء في الوجود مخلوق لغاية ولمهمة، ولا يكون جميلا ولا يكون خيرا إلا إذا أدى مهمته في الحياة، فمن أين جاء إبليس بخيرية النار على الطين؟ والنار الأصل فيها الخشب الذي توقد به، والخشب من الطين، إذن: فالطين قبل النار وأفضل منه، فقياس إبليس إذن قياس خاطئ.

ومعنى: ﴿ خلقت طينا ﴾ [الإسراء: 61] يعني: خلقته حال كونه من الطين، أو خلقته من طين، والخلق من الطين مرحلة من مراحل الخلق لأن الخلق المباشر له مراحل سبقته. فقوله تعالى:

فإذا سويته ونفخت فيه من روحي..

[الحجر: 29] سبقته مراحل متعددة، قال عنها الخالق سبحانه مرة: من الماء. ومرة: من التراب. ومرة: من طين. والماء إذا خلط بالتراب صار طينا، وبمرور الوقت يسود هذا الطين، وتتغير رائحته، فيتحول إلى حمأ مسنون. وما أشبه الحمأ المسنون بما يفعله أهل الريف في صناعة الطوب، حيث يخلطون الماء بالتراب بالقش، ويتركونه فترة حتى يختمر ويأكل بعضه بعضا، وتتغير رائحته ويعطن، ثم يصبونه في قوالب. فإذا ما ترك الطين حتى يجف، ويتحول إلى الصلابة يصير صلصالا كالفخار، يعني يحدث رنة إذا طرقت عليه. وبعد كل هذه المراحل يقول تعالى:

فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين

[الحجر: 29]. إذن: لا وجه للاعتراض على القرآن في قوله عن خلق الإنسان مرة أنه: من: ماء، أو من تراب، أو طين، أو حمأ مسنون، فهذه كلها مراحل للمكون الواحد. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٢٩٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٢٩٥