تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد قال ابن الزبعري حينما سمع قوله تعالى:

أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم * إنا جعلناها فتنة للظالمين * إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم

[الصافات: 62-64]. فقال: والله ما عرفنا الزقوم إلا الزبد على التمر، فقوموا تزقموا معي، أي: استهزاء بكلام الله، وتكذيبا لرسوله صلى الله عليه وسلم. أما المؤمن فيستقبل هذه الآيات استقبال الإيمان والتسليم بصدق كلام الله، وبصدق المبلغ عن الله، ويعلم أن الأشياء لا تأخذ صلاحيتها بعنصر تكوينها، وإنما بإرادة المعنصر أن يكون لأن المسألة ليست ميكانيكا، وليست نواميس تعمل وتدير الكون، بل هي قدرة الخالق سبحانه وطلاقة هذه القدرة. ولسائل أن يقول: كيف يقول الحق سبحانه عن هذه الشجرة أنها ملعونة؟ ما ذنب الشجرة حتى تلعن، وهي آية ومعجزة لله تعالى، وهي دليل على اقتداره سبحانه، وعلى أن النواميس لا تحكم الكون، بل رب النواميس سبحانه هو الذي يحكم ويغير طبائع الأشياء؟ كيف تلعن، وهي الطعام الذي سيأكله الكافر ويتعذب به؟ إنها أداة من أدوات العقاب، ووسيلة من وسائل التعذيب لأعداء الله. نقول: المراد هنا: الشجرة الملعون آكلها، لأنه لا يأكل منها إلا الأثيم، كما قال تعالى:

إن شجرة الزقوم * طعام الأثيم

[الدخان: 43-44] والأثيم لا شك معلون. لكن، لماذا لم يجعل المعلونية للآكل وجعلها للشجرة؟ قالوا: لأن العربي درج على أن كل شيء ضار ملعون، أي: مبعد من رحمة الله، فكأن الكافر حينما يرى هذه الشجرة هو الذي يلعنها، فهي ملعونة من آكلها. وقد أكل منها لأنه ملعون، إذن: نستطيع القول إنها ملعونة، وملعون آكلها. ومن الإشكالات التي أثارتها هذه الآية في العصر الحديث قول المستشرقين الذين يريدون أن يتوركوا على القرآن، ويعترضوا على أساليبه، مثل قوله تعالى عن شجرة الزقوم:

طلعها كأنه رءوس الشياطين

[الصافات: 65].

ووجه اعتراضهم أن التشبيه إنما يأتي عادة ليوضح أمرا مجهولا من مخاطب بأمر معلوم له، أما في الآية فالمشبه مجهول لنا لأنه غيب لا نعلم عنه شيئا، وكذلك المشبه به لم نره، ولم يعرف أحد منا رأس الشيطان، فكيف يشبه مجهولا بمجهول؟ لأننا لم نر شجرة الزقوم لنعرف طلعها، ولم نر الشيطان لنعرف رأسه. ثم يقولون: الذي جعل المسلمين يمرون على هذه الآية أنهم يعطون للقرآن قداسة، هذه القداسة تربى فيهم التهيب أن يقبلوا على القرآن بعقولهم ليفتشوا فيه، ولو أنهم تخلصوا من هذه المسألة وبدأوا البحث في أسلوب القرآن دون تهيب لاستطاعوا الخروج منه بمعطيات جديدة. وللرد على قول المستشرقين السابق نقول لهم: لقد تعلمتم العربية صناعة، وليس عندكم الملكة العربية أو التذوق الكافي لفهم كتاب الله وتفسير أساليبه، وفرق بين اللغة كملكة واللغة كصناعة فقط. الملكة اللغوية تفاعل واختمار للغة في الوجدان، فساعة أن يسمع التعبير العربي يفهم المقصود منه، أما اللغة المكتسبة - خاصة على كبر - فهي مجرد دراسة لإمكان التخاطب، فلو أن عندكم هذه الملكة لما حدث منكم هذا الاعتراض، ولعلمتم أن العربي قبل نزول القرآن قال:

يغط غطيط البكر شد خناقه

ليقتلني والمرء ليس بقتال

أيقتلني والمشرفي مضاجعي

ومسنونة زرق كأنياب أغوال

فهل رأيتم الغول؟ وهل له وجود أصلا؟ لكن الشاعر العربي استساغ أن يشبه سلاحه المسنون بأنياب الغول لأن الغول يتصوره الناس في صورة بشعة مخيفة، فهذا التصور والتخيل للغول أجاز أن نشبه به. وكذلك الشيطان، وإن لم يره أحد أن الناس تتخيله في صورة بشعة وقبيحة ومخيفة، فلو كلفنا جميع رسامي الكاريكاتير في العالم برسم صورة متخيلة للشيطان لرسم كل واحد منهم صورة تختلف عن الآخر لأن كلا منهم سيتصوره بصورة خاصة حسب تصوره للشيطان وجهة البشاعة فيه. فلو أن الحق سبحانه شبه طلع شجرة الزقوم بشيء معلوم لنا لتصورناه على وجه واحد، لكن الحق تبارك وتعالى أراد أن يشيع بشاعته، وأن تذهب النفس في تصور بشاعته كل مذهب، وهكذا يؤدي هذا التشبيه في الآية ما لا يؤديه غيره، ويحدث من الأثر المطلوب ما لا يحدثه تعبير آخر، فهو إبهام يكشف ويجلي. ثم يقول تعالى: ﴿ ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا ﴾ [الإسراء: 60]. أي: نخوفهم بأن يتعرضوا للعقوبات التي تعرض لها المكذبون للرسل، فالرسل نهايتهم النصر، والكافرون بهم نهايتهم الخذلان. وأنت حينما تخوف إنسانا أو تحذره من شر سيقع له، فقد أحسنت إليه وأسديت إليه جميلا ومعروفا، كالولد الذي يخوف ابنه عاقبة الإهمال، ويذكره بالفشل واحتقار الناس له، إنه بذلك ينصحه ليلتفت إلى دروسه ويجتهد. فقوله تعالى: ﴿ ونخوفهم.. ﴾ [الإسراء: 60] التخويف هنا نعمة من الله عليهم، لأنه يبشع لهم الأمر حتى لا يقعوا فيه، وسبق أن ذكرنا أن التخويف قد يكون نعمة في قوله تعالى، في سورة الرحمن:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٢٩٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٢٩٢