تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله ولولا رجال مؤمنون ونسآء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشآء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما

[الفتح: 25]. إذن: الحق سبحانه منعهم تحقيق هذه الرؤيا في الحديبية لأنهم لو دخلوا مكة محاربين حاملين السلاح، وفيها مؤمنون ومؤمنات لا يعلمهم أحد، وسوف يصيبهم من الأذى وينالهم من هذه الحرب لأنهم لن يميزوا بين مؤمن وكافر، فقد يقتلون مؤمنا فتصيبهم معرة بقتله، ولو أمكن التمييز بين المؤمنين والكفار لدخلوا مكة رغما عن أنوف أهلها. لذلك كان من الطبيعي أن يتشكك الناس فيما حدث بالحديبية، وأن تحدث فتنة تزلزل المسلمين، حتى إن الفاروق ليقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ألسنا على الحق؟ أليسوا هم على الباطل؟ ألست رسول الله؟ فيقول أبو بكر: الزم غرزه يا عمر، إنه رسول الله.

وقد ساهمت السيدة أم سلمة - أم المؤمنين - في حل هذا الإشكال الذي حدث نتيجة هذه الفتنة، فلما اعترض الناس على رسول الله في عودته من الحديبية دخل عليها، فقال:

" يا أم سلمة، هلك المسلمون، أمرتهم فلم يمتثلوا ".

فقالت: يا رسول الله إنهم مكروبون، جاءوا على شوق للبيت، ثم منعوا وهم على مقربة منه، ولا شك أن هذا يشق عليهم، فامض يا رسول الله لما أمرك الله، فإذا رأوك عازما امتثلوا، ونجح اقتراح السيدة أم سلمة في حل هذه المسألة. وقال بعضهم: إن المراد بالرؤيا التي جعلها الله فتنة ما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل غزوة بدر، حيث أقسم وقال:

" " والله لكأني انظر إلى مصارع القوم ". وأخذ يومئ إلى الأرض وهو يقول: " هذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان ".

وفعلا، جاءت الأحداث موافقة لقوله صلى الله عليه وسلم فقل لي: بالله عليك، من الذي يستطيع أن يتحكم في معركة كهذه، الأصل فيها الكر والفر، والحركة والانتقال ليحدد الأماكن التي سيقتل فيها هؤلاء، اللهم إنه رسول الله. لكن أهل التحقيق من العلماء قالوا: إن هذه الأحداث سواء ما كان في الحديبية، أو ما كان من أمر الرسول يوم بدر، هذه أحداث حدثت في المدينة، والآية المرادة مكية، مما يجعلنا نستبعد هذين القولين ويؤكد أن القول الأول - وهو الإسراء والمعراج - هو الصواب. وقد يقول قائل: وهل كان الإسراء والمعراج رؤيا منامية؟ إنه كان رؤية بصرية، فما سر عدول الآية عن الرؤية البصرية إلى الرؤيا المنامية؟ وكيف يعطي الحق سبحانه وتعالى للكفار والمشككين فرصة لأن يقول: إن الإسراء والمعراج كان مناما؟ نقول: ومن قال إن كلمة رؤيا مقصورة على المنامية؟ إنها في لغة العرب تطلق على المنامية وعلى البصرية، بدليل قول شاعرهم الذي فرح بصيد ثمين عن له:

فكبر للرؤيا وهاش فؤاده

وبشر نفسا كان قبل يلومها

أي: قال الله أكبر حينما رأى الصيد الثمين يقترب منه، فعبر بالرؤيا عن الرؤية البصرية. لكن الحق سبحانه اختار كلمة رؤيا ليدل على أنها شيء عجيب وغريب كما نقول مثلا: هذا شيء لا يحدث إلا في المنام. وهذا من دقة الأداء القرآني، فالذي يتكلم رب، فاختار الرؤيا لأنها معجزة الإسراء وذهاب النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى بيت المقدس في ليلة. فوجه الإعجاز هنا ليس في حدث الذهاب إلى بيت المقدس لأن كثيرا من كفار مكة قد ذهب إليها في رحلات التجارة أو غيرها، بل وجه الإعجاز في الزمن الذي اختصر لرسول الله، فذهب وعاد في ليلة واحدة، بدليل أنهم سألوا رسول الله " صف لنا بيت المقدس ".

ولو كانوا يشكون في الحدث ما سألوا هذا السؤال، إذن: فاعتراضهم على وقت هذه الرحلة التي كانوا يضربون إليها أكباد الإبل شهرا، ويخبر محمد أنه أتاها في ليلة واحدة، ولأن الإسراء حدث في هذا الزمن الضيق المختصر ناسب أن يطلق عليه رؤيا، لأن الرؤيا المنامية لا زمن لها، ويختصر فيها الزمن كذلك. ولقد توصل العلماء الباحثون في مسألة وعي الإنسان أثناء نومه، وعن طريق الأجهزة الحديثة إلى أن قالوا: إن الذهن الإنساني لا يعمل أثناء النوم أكثر من سبع ثوان، وهذه هي المدة التي يستغرقها المنام. في حين إذا أردت أن تحكي ما رأيت فسيأخذ منكم وقتا طويلا. فأين الزمن - إذن - في الرؤيا المنامية؟ لا وجود له لأن وسائل الإدراك في الإنسان والتي تشعره بالوقت نائمة فلا يشعر بوقت، حتى إذا جاءت الرؤيا مرت سريعة حيث لا يوجد في الذهن غيرها. لذلك من يمشي على عجل لا يستغرق زمنا، كما نقول: فلان يفهمها وهي طايرة وهذا يدل على السرعة في الفعل لأنه يركز كل إدراكاته لشيء واحد. ومن ناحية أخرى، لو أن الإسراء والمعراج رؤيا منامية، أكانت توجد فتنة بين الناس؟ وهب أن قائلا قال لنا: رأيت الليلة أنني ذهبت من القاهرة إلى نيويورك، ثم إلى هاواي، ثم إلى اليابان، أنكذبه؟! إذن: قول الله تعالى عن هذه الرؤيا أنها فتنة للناس عدلت المعنى من الرؤيا المنامية إلى الرؤية البصرية، وكأن الحق سبحانه اختار هذه الكلمة ليجعل من الكافرين بمحمد دليلا على صدقه، فيقولون: نحن نضرب إليها أكباد الإبل شهرا وأنت تدعي أنك أتيتها في ليلة؟ فلو كانت هذه الحادثة مناما ما قالوا هذا الكلام. لكن، ما الحكمة من فتنة الناس واختبارهم بمثل هذا الحدث؟ الحكمة تمحيص الناس وصهرهم في بوتقة الإيمان لنميز الخبيث من الطيب، والمؤمن من الكافر، فلا يبقى في ساحتنا إلا صادق الإيمان قوي العقيدة، لأن الله تعالى لا يريد أن يسلم منهجه الذي سيحكم حركة الحياة في الدنيا إلى أن تقوم الساعة، إلا إلى قوم موثوق في إيمانهم ليكونوا أهلا لحمل هذه الرسالة. فكان الإسراء هو هذه البوتقة التي ميزت بين أصالة الصديق حينما أخبروه أن صاحبك يحدثنا أنه أتى بيت المقدس، وأنه عرج به إلى السماء وعاد من ليلته، فقال: " إن كان قال فقد صدق " هكذا من أقرب طريق، فميزان الصدق عنده مجرد أن يقول رسول الله. وكذلك ميزت الزبد الذي زلزلته الحادثة وبلبلته، فعارض وكذب. ثم يقول تعالى: ﴿ والشجرة الملعونة في القرآن.. ﴾ [الإسراء: 60]. أي: وما جعلنا الشجرة الملعونة في القرآن إلا فتنة للناس أيضا، وإن كانت الفتنة في الإسراء كامنة في زمن حدوثه، فهي في الشجرة كامنة في أنها تخرج في أصل الجحيم، في قعر جهنم، ومعلوم أن الشجرة نبات لا يعيش إلا بالماء والري، فكيف تكون الشجرة في جهنم؟ ومن هنا كانت الشجرة فتنة تمحص إيمان الناس لذلك لما سمع أبو جهل هذه الآية جعلها مشكلة، وخرج على الناس يقول: اسمعوا ما يحدثكم به قرآن محمد، يقول: إن في الجحيم شجرة تسمى " شجرة الزقوم " ، فكيف يستقيم هذا القول، والنار تحرق كل شيء حتى الحجارة؟ وهذا الاعتراض مقبول عقلا، لكن المؤمن لا يستقبل آيات الله استقبالا عقليا، وإنما يعمل حسابا لقدرته تعالى لأن الأشياء لا تأخذ قوامها بعنصر تكوينها، وإنما تأخذه بقانون المعنصر نفسه، فالخالق سبحانه يقول للشجرة: كوني في أصل الجحيم، فتكون في أصل الجحيم بطلاقة القدرة الإلهية التي قالت للنار: كوني بردا وسلاما على إبراهيم.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٢٩١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٢٩١