تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أم يحسدون الناس على مآ آتاهم الله من فضله..

[النساء: 54]. فالمراد بالناس هنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال عنه كفار مكة:

وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم

[الزخرف: 31]. وكما في قوله تعالى:

الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم..

[آل عمران: 173] فهؤلاء غير هؤلاء. وقد وقف العلماء عند كلمة الناس في الآية: ﴿ إن ربك أحاط بالناس.. ﴾ [الإسراء: 60] وقصروها على الكافرين الذين يقفون من رسول الله موقف العداء، لكن لا مانع أن نأخذ هذه الكلمة على عمومها، فيراد بها أحاط بالمؤمنين، وعلى رأسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحاط بالكافرين وعلى رأسهم صناديد الكفر في مكة. لذلك فالإحاطة هنا ليست واحدة، فلكل منهما إحاطة تناسبه، فإن كنت تريد الإحاطة بالمؤمنين وعلى رأسهم رسول الله فهي إحاطة عناية وحماية حتى لا ينالهم أذى، وإن أردت بها الكافرين فهي إحاطة حصار لا يفلتون منه ولا ينفكون عنه، وهذه الإحاطة لها نظير، وهذه لها نظير. فنظير الإحاطة بالكافرين قوله تعالى:

حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جآءتها ريح عاصف وجآءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم..

[يونس: 22]. أي: حوصروا وضيق عليهم فلا يجدون منفذا. ونظير الإحاطة بالمؤمنين وعلى رأسهم رسول الله قوله تعالى:

ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم لهم المنصورون

[الصافات: 171-172]. فالحق سبحانه محيط بالمؤمنين وبرسوله صلى الله عليه وسلم إحاطة عناية، وكأنه يقول له: امض إلى شأنك وإلى مهمتك، ولن يضيرك ما يدبرون. لذلك كان المؤمنون في أوج فترات الاضطهاد والقسوة من الكفار في وقت كل المؤمنون غير قادرين حتى على حماية أنفسهم ينزل قول الحق تبارك وتعالى:

سيهزم الجمع ويولون الدبر

[القمر: 45]. حتى أن عمر - رضي الله عنه - الذي جاء القرآن على وفق رأيه يقول: أي جمع هذا؟! ويتعجب، كيف سنهزم هؤلاء ونحن غير قادرين على حماية أنفسنا وهذه تسلية لرسول الله وتبشير للمؤمنين، فمهما نالوكم بالاضطهاد والأذى فإن الله ناصركم عليهم.

وكما قال في آية أخرى:

وإن جندنا لهم الغالبون

[الصافات: 173]. فاذكر جيدا يا محمد حين تنزل بك الأحداث، ويظن أعداؤك أنهم أحاطوا بك، وأنهم قادرون عليك، اذكر أن الله أحاط بالناس، فأنت في عناية فلن يصيبك شر من الخارج، وهم في حصار لن يفلتوا منه. ثم يقول تعالى: ﴿ وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس.. ﴾ [الإسراء: 60]. كلمة ﴿ الرؤيا ﴾ مصدر للفعل رأى، وكذلك رؤية مصدر للفعل رأى، فإن أردت الرؤيا المنامية تقول: رأيت رؤيا، وإن أردت رأي البصرية تقول: رأيت رؤية. ومن ذلك قول يوسف عليه السلام في المنام الذي رآه:

وقال يأبت هذا تأويل رؤياي من قبل..

[يوسف: 100]. ولم يقل رؤيتي. إذن: فالفعل واحد، والمصدر مختلف. وقد اختلف العلماء: ما هي الرؤيا التي جعلها الله فتنة للناس؟ جمهرة العلماء على أنها الرؤيا التي ثبتت في أول السورة:

سبحان الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصا..

[الإسراء: 1] أي: حادثة الإسراء والمعراج. وبعضهم رأى أنها الرؤيا التي قال الله فيها:

لقد صدق الله رسوله الرءيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شآء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا

[الفتح: 27]. فقد وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنهم سيدخلون المسجد الحرام في هذا العام، ولكن منعوا من الدخول عند الحديبية، فكانت فتنة بين المسلمين وتعجبوا أن يعدهم رسول الله وعدا ولا ينجزه لهم. ثم بين الحق - تبارك وتعالى - لهم الحكمة من عدم دخول مكة هذا العام، فأنزل على رسوله وهو في طريق عودته إلى المدينة:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٢٩٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٢٩٠