تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هل تعلم له سميا

[مريم: 65]. ومع ما عندهم من إلف بالمخالفة وعناد بالإلحاد، مع ذلك لم يجرؤ أحد منهم أن يسمي ابنا له بهذا الاسم، ومعلوم أن التسمية أمر اختياري يطرأ على الجميع. إذن: فهذا تنزيه لله تعالى، حتى من الكافر رغما عنه، وهو دليل على عظمته سبحانه وجلاله، هذه العظمة وهذا الجلال الذي لم يجرؤ حتى الكافر على التشبه به ذلك لأنهم في كفرهم غير مقتنعين بالكفر، ويخافون بطش الله وانتقامه إن أقدموا على هذا العمل، لذلك لا يجرؤ أحد منهم أن يجرب في نفسه مثل هذه التسمية. وفي مجال العبادات، فقد اختار الحق سبحانه لنفسه عبادة لا يشاركه فيها أحد، ولا يقدمها أحد لغيره تعالى لأن الناس كثيرا ما يتقربون لأمثالهم من البشر بأعمال أشبه ما تكون بعبادة الله تعالى، فمنهم من ينحني خضوعا لغيره كأنه راكع أو ساجد، ومنهم من يمدح جبارا بأنه لا مثيل له، وتصل به المبالغة إلى جعله إلها في الأرض، ومنهم من يسجد للشمس كما فعل أهل سبأ وأخبر الهدهد عنهم بقوله:

وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله..

[النمل: 24]. ألسنا نرى إنسانا يتقرب لأحد الحكام، بأن ينفق فيما يحبه هذا الحاكم، وكأنه يخرج زكاة ماله؟ ألسنا نرى أحدهم يذهب كل يوم إلى قصر سيده، ويوقع في سجل التشريفات باسمه ليقدم بذلك فروض الولاء والطاعة؟ إذن: فالإيمان بالوحدانية في شيء متميز وارد عند الناس، والخضوع الزائد بالسجود أو بالركوع أو بالكلام وارد عند الناس. لذلك تفرد الحق سبحانه بفريضة الصوم، وجعلها خالصة له سبحانه، لا يتقرب بها أحد لأحد، وهل رأيت إنسانا يتقرب لآخر بصوم؟ فانظر إلى هذه السبحانية وهذا التنزيه في ذاته سبحانه، فلا يجرؤ أحد أن يتسمى باسمه. وفي العبادة لا يصام لأحد غيره تعالى، فلو تصورنا أن يقول واحد للآخر: أنا سأتقرب إليك بصوم هذا اليوم أو هذا الشهر، إذن: أنت تريد منه أن يجلس بجوارك يحرسك ويراعي صومك، فكأنك تريد له العنت والمشقة من حيث تريد أنت أن تتقرب إليه. لذلك يقول الحق سبحانه في الحديث القدسي:

" كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ".

يعني من الممكن أن يتقرب بأي ركن من أركان الإسلام لغيري، إلا الصوم، فلا يجرؤ أحد أن يتطوع به أو يتقرب به لأحد. إذن: فالسبحانية هي الدليل السائد الشامل الجامع لكل الخلق لذلك نقول للكافر: أيها الكافر لقد تأبيت على الإيمان بالله، وللعاصي: لقد تأبيت على أوامر الله، وما دمتم قد تأبيتم على الله، وألفتم هذا التأبي وهذا التمرد، فلماذا لا تتأبون على المرض إن أصابكم، وعلى الموت إن طرق بابكم؟ لماذا لا تتمرد على ملك الموت وتقول له: لن أموت اليوم؟! إنها قاهرية الحق سبحانه وتعالى حتى على الكافر، فلا يستطيع أحد أن يخرج عليها أو يتمرد. وكذلك العاصي حينما ينحرف عن الجادة، وتمتد يده إلى مال غيره بالسرقة أو الاختلاس أو التعدي على المال العام، فإن الحق سبحانه يفتح عليه أبوابا للإنفاق تبتلع ما جمع من الحرام، وربما أخذت في طريقها الحلال أيضا، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال:

" من جمع مالا من مهاوش أذهبه الله في نهابر ".

فالتسبيح إذن لغة الكون كله، منه ما نفهمه، ومنه ما لا نفهمه، إلا من أطلعه الله عليه، فإذا من الله على أحد وعلمه لغة الطير أو الحيوان أو النبات أو الجماد، فهمها وفقه عنها، كما أنعم بهذه النعم على داود وسليمان عليهما السلام.

ويقول سليمان - عليه السلام - شاكرا هذه النعمة:

رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي..

[النمل: 19]. فقول الحق سبحانه: ﴿ وإن من شيء إلا يسبح بحمده.. ﴾ [الإسراء: 44]. يجب على العلماء أن ينقلوها من خاطر الدلالة إلى خاطر المقالة أيضا، ولكنها مقالة، ولكنها مقالة بلغة يفهمها أصحابها إذا شاء الله لهم ذلك. ثم يذيل الحق سبحانه هذه الآية بقوله: ﴿ إنه كان حليما غفورا ﴾ [الإسراء: 44]. لأن الإنسان كثيرا ما يغفل الاستدلال بظواهر الكون وآياته دلالة الحال، فيقف على قدرة الله وبديع صنعه، وكذلك كثيرا ما يغفل عن تسبيح الله تسبيح المقالة لذلك أخبر سبحانه أنه حليم لا يعاجل الغافلين بالعقوبة، وغفور لمن تاب وأناب. وهذا من رحمته سبحانه بعباده، فلولا أن يتدارك الله العباد بهذه الرحمة لكان الإنسان سيد الكون أقل حظا من الحيوان، ويكفي أن تتدبر قوله تعالى عن تسبيح المخلوقات له سبحانه:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٢٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٢٦٣