وقد أخرجنا الحق سبحانه وتعالى من هذه المسألة بقوله: ﴿ ولكن لا تفقهون تسبيحهم.. ﴾ [الإسراء: 44]. إذن: يوجد تسبيح دلالة فعلا، لكنه ليس هو المقصود، المقصود هنا التسبيح الحقيقي كل بلغته. فقوله تعالى: ﴿ ولكن لا تفقهون تسبيحهم.. ﴾ [الإسراء: 44]. يدل على أنه تسبيح فوق تسبيح الدلالة الذي آمن بمقتضاها المؤمنون، إنه تسبيح حقيقي ذاتي ينشأ بلغة كل جنس من الأجناس، وإذا كنا لا نفقه هذا التسبيح، فقد قال تعالى:
كل قد علم صلاته وتسبيحه..
[النور: 41]. إذن: كل شيء في الوجود علم كيف يصلي لله، وكيف يسبح لله، وفي القرآن آيات تدل بمقالها ورمزيتها على أن كل عالم في الوجود له لغة يتفاهم بها في ذاته، وقد يتسامى الجنس الأعلى ليفهم عن الجنس الأدنى لغته، فكيف نستبعد وجود هذه اللغة لمجرد أننا لا نفهمها؟ وها هم الناس أنفسهم ولهم في الأداء القولي لغة يتفاهمون بها، ومع ذلك تختلف بينهم اللغات، ولا يفهم بعضهم بعضا، فإذا ما تكلم الإنجليزي - مع أنه يتكلم بألفاظ العربي - ومع ذلك لا يفهمه لأنه ما تعلم هذه اللغة. واللغة ظاهرة اجتماعية، بمعنى أن الإنسان يحتاج للغة لأنه في مجتمع يريد أن يتفاهم معه ليعطيه ما عنده من أفكار، ويسمع ما عنده من أفكار فلا بد من اللغة لنقل هذه الأفكار، ولو أن الإنسان وحده ما كان في حاجة إلى لغة لأنه سيفعل ما يخطر بباله وتنتهي المسألة. واللغة لا ترتبط بالدم أو الجنس أو البيئة لأنك لو أتيت بطفل إنجليزي مثلا، ووضعته في بيئة عربية سيتكلم العربية لأن اللغة ظاهرة اجتماعية تعتمد على السمع والمحاكاة لذلك إذا لم تسمع الأذن لا تستطيع أن تتكلم، ومن ذلك قوله تعالى:
صم بكم عمي..
[البقرة: 18]. فهم بكم لا يتكلمون لأنهم صم لم يسمعوا شيئا، فإذا لم يسمع الإنسان اللفظ لا يستطيع أن يتحدث به لأن ما تسمعه الأذن يحكيه اللسان. إذن: بالسماع انتقلت اللغة، كل سمع من أبيه، ومن البيئة التي يعيش فيها، فإذا ما سلسلت هذه المسألة ستصل إلى آدم - عليه السلام - وهنا يأتي السؤال: وممن سمع آدم اللغة التي تكلم بها؟ وقد حل لنا القرآن الكريم هذه القضية في قوله تعالى:
وعلم ءادم الأسمآء كلها..
[البقرة: 31]. وأكثر من ذلك، فقد يتكلم العربي بنفس لغتك ولا تفهم عنه ما يقول، واللغة هي اللغة، كما حدث مع أبي علقمة النحوي، وكان يتقعر في كلامه ويأتي بألفاظ شاذة غير مشتهرة، وقد أتعب بذلك من حوله، وخاصة غلامه الذي ضاق به ذرعا لكثرة ما سمع منه من هذا التقعر. ويروى أنه في ذات ليلة قال أبو علقمة لغلامه: أصقعت العتاريف؟ فرد عليه الغلام قائلا: زقفيلم.
وكانت المرة الأولى التي يستفهم فيها أبو علقمة عن كلمة، فقال: يا بني وما زقفيلم؟ قال: وما صقعت العتاريف؟ قال: أردت: أصاحت الديكة؟ فقال الغلام: وأنا أردت لم تصح. إذن: فكيف نستبعد أننا لا نعلم لغة المخلوقات الأخرى من حيوان ونبات وجماد؟ ألم يكفنا ما أخبرنا الله به من وجود لغة لجميع المخلوقات، وإن كنا لا نفهمها لأننا نعتقد أن اللغة هي النطق باللسان فقط، ولكن اللغة أوسع من ذلك. فهناك - مثلا - لغة الإشارة، ولغة النظرات، ولغة التلغراف. إذن: اللغة ليست اللسان فقط، بل هي استعداد لاصطلاح يفهم ويتعارف عليه، فالخادم مثلا يكفي أن ينظر إليه سيده نظرة يفهم منها ما يريد، فهذه النظرة لون من ألوان الأداء. والآن بدأنا نسمع عن قواميس يسجل بها لغات بعض الحيوانات لمعرفة ما تقول. وقد أعطانا الحق تبارك وتعالى إشارات تدل على أن لكل عالم لغة يتفاهم بها، كما في قوله تعالى:
وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن..
[الأنبياء: 79]. فالجبال تسبح مع داود، وتسبح مع غيره، ولكن المراد هنا أنها تسبح معه ويوافق تسبيحها تسبيحه، وكأنهما في أنشودة جماعية منسجمة. إذن: فلا بد أن داود عليه السلام قد فهم عنها وفهمت عنه. وكذلك النملة التي تكلمت أمام سليمان عليه السلام ففهم كلامها، وتبسم ضاحكا من قولها. وقد علمه الله منطق الطير. إذن: لكل جنس من الأجناس منطق يسبح الله به، ولكن لا نفقه هذا التسبيح لأنه تسبيح بلغة مؤدية معبرة يتفاهم بها من عرف التواضع عليها. وقد جعل الحق سبحانه وتعالى تنزيهه مطلقا ينقاد له الجميع، حتى الكافر ينقاد لتنزيه الله قهرا عنه، مع أن لديه ملكة الاختيار بين الكفر أو الإيمان، لكن أراد الحق سبحانه أن يكون تنزيهه مطلقا من الجماد والنبات والحيوان، ومن المؤمن والكافر. كيف ذلك؟ أطلق الحق سبحانه على ذاته لفظ الجلالة الله فهو علم على واجب الوجود، ثم تحدى الكافرين أن يسموا أحدا بهذا الاسم، فقال: