ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدوآب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب..
[الحج: 18]. فها هي جميع الأجناس من جماد ونبات وحيوان تسجد لله لا يتخلف منها شيء، فهي تسجد وتسبح بالإجماع، ولم ينقسم الأمر إلا في الإنسان السيد المكرم، ولكن لماذا الإنسان بالذات هو الذي يشذ عن منظومة التسبيح في الكون؟ نقول: لأنه المخلوق الوحيد الذي ميزه الله بالاختيار، وجعل له الحرية في أن يفعل أو لا يفعل، أما باقي المخلوقات فهي مسخرة مقهورة، فإن قال قائل: لماذا لم يجعل الحق سبحانه وتعالى الإنسان أيضا مقهورا كباقي المخلوقات؟ لقد جعل الله تعالى في الإنسان الاختيار لحكمة عالية، فالقهر يثبت للحق سبحانه صفة القدرة على مخلوقه، فإذا قهره على شيء لا يشذ ولا يتخلف، ولكنه لا يثبت صفة المحبوبية لله تعالى. أما الاختيار فيثبت المحبوبية لله لأنه خلقك مختارا تؤمن أو تكفر، ومع ذلك اخترت الإيمان حبا في الله تعالى، وطاعة وخضوعا، فأثبت بذلك صفة المحبوبية. وإياك أن تظن أن من يعصي الله يعصيه قهرا عن الله، بل بما ركب فيه من الاختيار، وقد يقول قائل: وما ذنب الإنسان أن يكون مختارا من بين جميع المخلوقات؟ لو حققت هذه القضية منطقيا وفلسفيا لوجدت الكون كله كان مختارا، وليس الإنسان فقط، لكن اختارت جميع المخلوقات أن تسلم الأمر لله، وفضلت أن تكون مقهورة مسخرة من البداية، أما الإنسان ففضل الاختيار، وقال: سأعمل بحرص، وسأحمل الأمانة بإخلاص، وهذا واضح في قول الحق تبارك وتعالى:
إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا
[الأحزاب: 72]. وفي رفض هذه المخلوقات لتحمل الأمانة والاختيار دليل على العلم الواسع لأنه يوجد فرق كبير بين قبول الأمانة وقت التحمل ووقت الأداء. فقد تتحمل الأمانة وأنت واثق من أدائها، لكن يطرأ عليك وقت الأداء ما يحول بينك وبين أداء الأمانة. والأمانة كما هو معروف لا توثق ولا تكتب، وكثيرا ما يقع فيها التلاعب لأنها لا تثبت إلا بذمة الآخذ الذي قد يضعف عن الأداء وتلجئه الأحداث إلى هذا التلاعب أو الإنكار، والأحداث قد تكون أقوى من الرجال. فالإنسان - إذن - لا يضمن نفسه وقت الأداء، وإن كان يضمنها وقت التحمل، ولهذا اختارت جميع المخلوقات أن تكون مقهورة مسيرة، أما الإنسان فقال: لي عقل وأستطيع التصرف والترجيح بين البدائل، فكان بذلك ظالما لنفسه لأنه لا يضمنها وقت الأداء، وجهولا بما يكون من تغير أحواله. فالكون - إذن - ليس مقهورا رغما عنه، بل بإرادته واختياره، وكذلك الإنسان ليس مختارا رغما عنه، بل بإرادته واختياره. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون... ﴾.