إنما يخشى الله من عباده العلماء..
[فاطر: 28]. فهذه ظواهر الكون، اربع فيها كما شئت بحثا ودراسة، وإن أحسنت الإمعان فيها فسوف توصلك إلى ظواهر أخرى تثري حياتك وترقيها، فالذي اكتشف عصر البخار، والذي اكتشف العجلة والكهرباء والجاذبية وغيرها لم يخلق جديدا في كون الله، إنما أحسن النظر والتأمل فتوصل إلى ما يريح المجتمع ويسعده. لذلك، فالحق سبحانه وتعالى يحذرنا أن نمر على ظواهر الكون في إعراض وغفلة ودون تمعن فيها:
وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون
[يوسف: 105]. والذين عبروا عن هذه الإنجازات العلمية بكلمة الاكتشافات كانوا أمناء في التعبير عن الواقع الفعلي، فهم لم يخلقوا جديدا في الكون، فكل هذه الأشياء موجودة، والفضل لهم في الاهتداء إليها واكتشافها، ومن هنا فكلمة اختراع ليست دقيقة في التعبير عن هذه الاكتشافات. فإذا كان الحق سبحانه نهانا عن تتبع ما ليس لنا به علم، فماذا نتبع؟ نتبع ما نعلمه وما نتيقن منه من علوم، فإن كانت في الدين تركناها للخالق سبحانه يقننها لنا، وإن كانت في أمور الدنيا أعملنا فيها عقولنا بما ينفعنا ويثري حياتنا لذلك تكلم الحق سبحانه بعد ذلك عن وسائل إدراك العلم، فقال: ﴿ إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا ﴾ [الإسراء: 36]. وما دام الحق سبحانه قد نهانا عن تتبع ما لا نعلم، وأمرنا أن نسير على ضوء ما نعلم من العلم اليقيني فلا بد أن يسأل المرء عن وسائل العلم هذه، لأنه لولا وسائل الإدراك هذه ما علم الإنسان شيئا، وهذا واضح في قول الحق تبارك وتعالى:
والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون
[النحل: 78]. وهل يشكر الإنسان إلا على حصيلة أخذها؟ هذه الحصيلة هي العلم. وهذه الحواس تؤدي عملها في الإنسان بمجرد أن تنشأ فيه، وبعد أن يخرج إلى الحياة، والبعض يظن أن الطفل الصغير لا يفهم إلا عندما يكبر ويستطيع الكلام والتفاهم مع الآخرين، والحقيقة أن الطفل يدرك ويعي من الأيام الأولى لولادته. ولذلك، فإن علماء وظائف الأعضاء يقولون: إن الطفل يولد ولديه ملكات إدراكية سماها العلماء احتياطا " الحواس الخمس الظاهرة " ، وقد كان احتياطهم في محله لأنهم اكتشفوا بعد ذلك حواس أخرى، مثل حاسة العضل مثلا التي نميز بها بين الخفيف والثقيل. وإن كانت حواس الإنسان كثيرة فإن أهمها: السمع والبصر، وقد وردت في القرآن بهذا الترتيب، السمع أولا، ثم البصر لأن السمع يسبق البصر، فالإنسان بمجرد أن يولد تعمل عنده حاسة السمع، أما البصر فإنه يتخلف عن السمع لعدة أيام من الولادة، إذن: فهو أسبق في أداء مهمته، هذه واحدة.
الأخرى: أن السمع هو الحاسة الوحيدة التي تؤدي مهمتها حتى حال النوم، وفي هذا حكمة بالغة للخالق سبحانه، فبالسمع يتم الاستدعاء من النوم. وقد أعطانا الخالق سبحانه صورة واضحة لهذه المسألة في قصة أهل الكهف، فلما أراد سبحانه أن يناموا هذه السنين الطوال ضرب على آذانهم وعطل حاسة السمع لديهم، وإلا لما تمكنوا من النوم الطويل، ولأزعجتهم الأصوات من خارج الكهف. فقال تعالى:
فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا
[الكهف: 11]. ولم يسبق البصر السمع إلا في آية واحدة في كتاب الله تعالى وهي:
ربنآ أبصرنا وسمعنا..
[السجدة: 12]. والحديث هنا ليس عن الدنيا، بل عن الآخرة، حيث يفزع الناس من هولها فيقولون:
ربنآ أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا..
[السجدة: 12] لأنهم في الآخرة أبصروا قبل أن يسمعوا. فالسمع أول الحواس، وهو أهمها في إدراك المعلومات، حتى الذي يأخذ معلوماته بالقراءة سمع قبل أن يقرأ، فتعلم أولا بالسماع ألف باء، فالسمع أولا في التعلم، ثم يأتي دور البصر. والذي يتتبع الآيات التي ورد فيها السمع والبصر سيجدها جاءت بإفراد السمع وجمع البصر، مثل قوله سبحانه: