" أنتم أعلم بشئون دنياكم ".
ليضع بذلك أسوة لعلماء الدين ألا يضعوا أنوفهم في قضايا الماديات، وقد قال الحق تبارك وتعالى:
قد علم كل أناس مشربهم..
[البقرة: 60]. ويقول صلى الله عليه وسلم:
" لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ".
فإن أردت أن تتحرك في الحياة حركة سليمة مجدية، وحركة متساندة مع إخوانك غير متناقضة فالحق سبحانه يقول: ﴿ ولا تقف ما ليس لك به علم.. ﴾ [الإسراء: 36] لكي تسير في حركة الحياة على هدى وبصيرة. ﴿ لا تقف ﴾ أي: لا تتبع ولا تتدخل فيما لا علم لك به، كمن يدعي مثلا العلم بإصلاح التليفزيون وهو لا يعلم، فربما أفسد أكثر مما يصلح. ومن هنا قال أهل الفقه: من قال لا أدري فقد أفتى لأنه بإعلان عدم معرفته صرف السائل إلى من يعلم، أما لو أجاب خطأ، فسوف يترتب على إجابته ما لا تحمد عقباه، والذي يسلك هذا المسلك في حياته تكون حركته في الحياة حركة فاشلة. والفعل يقفو مأخوذ من القفا وهو المؤخرة، وقد قال تعالى في آية أخرى:
ثم قفينا على آثارهم برسلنا..
[الحديد: 27] أي: أتبعناهم. ويقفو أثره أي: يسير خلفه. وحينما نصح أحدهم رجلا يريد أن يتزوج قال له: لا تتخذها حنانة، ولا منانة، ولا عشبة الدار، ولا كبة القفا. فالحنانة التي لها ولد من غيرك يذكرها دائما بأبيه فتحن إليه، والمنانة التي لديها مال تمن به عليك، وعشبة الدار هي المرأة الحسناء في المنبت السوء والمستنقع القذر، وكبة القفا هي التي لا تعيب الإنسان في حضوره، وتعيبه وتذمه في غيبته. والعلم هنا يراد به العلم المطلق لأن الكثير من الناس كان يعتقد أن العلم يعني العلم الديني فقط، لكن العلم هو كل ما يثري حركة الحياة، والعلم علمان: - علم ديني، وهو الذي يقضي على الأهواء، ويوحدها إلى هوى واحد هو الهوى الإيماني. وهذا العلم يتولاه الخالق سبحانه، وليس لنا دخل فيه لأن الصانع أدرى بصنعته، وهو الذي يضع لها قانون صيانتها لأنه يعلم ما يصلحها وما يفسدها. وكما أنك لا تذهب إلى الجزار ليضع لك قانون صيانة التلفاز مثلا كذلك لا تطلب قانون صيانة الإنسان إلا من خالقه عز وجل:
ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير
[الملك: 14]. وهذا النوع من العلم قال الله تعالى عنه:
ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا..
[الحشر: 7]. - فليس لنا أن نتدخل فيه، أو نزيد عليه لأنه منهج الله الذي جاء ب " افعل ولا تفعل " ، وهو منهج لا يقبل الزيادة أو التعديل، فما كان فيه أمر ونهي فعليك الالتزام به، وإلا لو خرجت عن هذا الإطار الذي رسمه لك ربك وخالقك فسوف تحدث في الكون فسادا بترك الأمر أو بإتيان النهي. أما الأمور التي تركها الخالق سبحانه ولم يرد في شأنها أمر أو نهي فأنت حر فيها، تفعل أو لا تفعل. والمتأمل في شرع الخالق سبحانه يجد أمور التكليف بافعل ولا تفعل قليلة إذا ما قيست بالأمور التي ترك لك الحرية فيها، إذن: فدع لربك وخالقك والأعلم بك مجالا يحكم من خلاله حياتك وينظمها لك، ألا يجدر بنا ونحن عباده وصنعته أن نحكمه في أمور ديننا، ونخرج أنوفنا مما اختص به سبحانه؟ - أما النوع الآخر من العلم، فهو العلم المادي التجريبي الذي لا يخضع للأهواء، فقد جعله الخالق سبحانه مجالا للبحث والتسابق، ومضمارا يجري فيه الجميع لأنهم في النهاية سيلتقون فيه قهرا ورغما عنهم. وقد أعطانا الحق سبحانه وتعالى مثالا لهذا النوع من العلم، فقال تعالى:
ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود * ومن الناس والدوآب والأنعام مختلف ألوانه كذلك..
[فاطر: 27-28]. فذكر الحق سبحانه أجناس الوجود كلها: الإنسان، والحيوان، والنبات، والجماد.
ثم ختم ذلك بقوله: