تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وجعل لكم السمع والأبصار..

[السجدة: 9]. إلا في هذه الآية التي نحن بصدد الحديث عنها جاءت: ﴿ إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا ﴾ [الإسراء: 36]. لماذا؟ وما الحكمة من إفرادها هنا بالذات؟ وقبل أن نوضح الحكمة هنا يجب أن نعي أن المتكلم هو الله تعالى، وما دام المتكلم هو الله فلا بد أن تجد كل كلمة دقيقة في موضعها، بليغة في سياقها. فالسمع جاء بصيغة الإفراد لأنه لا يتعدد فيه المسموع بالنسبة للسامع، فإذا حدث الآن صوت نسمعه جميعا، فهو واحد في جميع الآذان. أما البصر فهو خلاف ذلك لأن أمامنا الآن مرائي متعددة ومناظر مختلفة، فأنت ترى شيئا، وأنا أرى شيئا آخر، فوحدة السمع لا تنطبق على البصر لذلك أفرد السمع وجاء البصر بصيغة الجمع. أما في قوله تعالى: ﴿ إن السمع والبصر.. ﴾ [الإسراء: 36] فقد ورد البصر هنا مفردا لأن الحق سبحانه وتعالى يتحدث عن المسئولية، مسئولية كل إنسان عن سمعه وبصره، والمسئولية أمام الحق سبحانه وتعالى فردية لا يسأل أحد عن أحد، بل يسأل عن نفسه فحسب، فناسب ذلك أن يقول: السمع والبصر لأنه سيسأل عن بصر واحد وهو بصره. فالإنسان - إذن - مسئول عن سمعه وبصره وفؤاده من حيث التلقي، تلقي القضايا العلمية التي سنسير عليها في حركة حياتنا، وكذلك من حيث الإعطاء، فكأن الحق سبحانه وتعالى يقول للأذن: لا تسمعي إلا خيرا، ولا تتلقي إلا طيبا، ويا مربي النشء لا تسمعه إلا ما يدعو إلى فضيلة، ولا تعط لأذنه إلا ما يصلح حياته ويثريها. ويقول للعين: لا ترى إلا الحلال لا يهيج غرائزك إلى الشهوات، ويا مربي النشء احجب عنه ما يثير الغرائز ويفسد الحياة وبذلك نربي في المجتمع المعلومات الصحيحة التي تنبني عليها حركة حياته.

وما دمت مسئولا عن أعضائك هذه المسئولية، ومحاسبا عنها، فإياك أن تقول: سمعت وأنت لم تسمع، وإياك أن تقول: رأيت وأنت لم تر، إياك أن تتعرض لشهادة تدلي فيها بغير ما تعلم وتتيقن. أو تتبنى قضية خاطئة وتبني عليها حركة حياتك لأن المبني على مقدمات فاسدة ينتج عنه نتائج فاسدة، وما بني على مقدمات صحيحة أنتج النتيجة الصحيحة. وجماع هذا كله في قوله تعالى: ﴿ ولا تقف ما ليس لك به علم.. ﴾ [الإسراء: 36] لماذا؟ لأنك محاسب على علمك هذا وعلى وسائل إدراكه لديك: ﴿ إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا ﴾ [الإسراء: 36]. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٢٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٢٥٥