تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم..

[النساء: 6]. وقال في آية أخرى:

ولا تؤتوا السفهآء أموالكم..

[النساء: 5]. ولم يقل: أموالهم، لأن السفيه ليس له مال، وليس له ملكية، والمال مال وليه الذي يحافظ عليه وينميه له. إذن: فالرشد وهو سلامة العقل وحسن التصرف، شرط أساسي في تسليم المال لليتيم لأنه أصبح بالرشد أهلا للتصرف في ماله. وكلمة: ﴿ أشده.. ﴾ [الإسراء: 34] أي: يبلغ شدة تكوينه، ويبلغ الأشد أي: تستوي ملكاته استواء لا زيادة عليه، فأعضاء الإنسان تنمو وتتربى مع نموه على مر الزمن، إلى أن يصل سن الرشد ويصبح قادرا على إنجاب مثله، وهذه سن الأشد أي: الاستواء. لذلك أجل الله تعالى التكليف للإنسان إلى سن البلوغ لأنه لو كلفه قبل أن يبلغ ثم طرأ عليه البلوغ بعد التكليف لاحتج بما طرأ عليه في نفسه من تغيرات لم تكن موجودة حال التكليف. ثم يقول تعالى: ﴿ وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا ﴾ [الإسراء: 34]. ﴿ العهد ﴾ ما تعاقد الإنسان عليه مع غيره عقدا اختياريا يلتزم هو بنتائجه ومطلوباته، وأول عقد أبرم هو العقد الإيماني الذي أخذه الله تعالى علينا جميعا، وأنت حر في أن تدخل على الإيمان بذاتك مختارا أو لا تدخل، لكن حين تدخل إلى الإيمان مختارا يجب أن تلتزم بعهد الإيمان لأن الله لا يريد منا قوالب تخضع، ولكن يريد منا قلوبا تخشع، ولو أراد الله منا قوالب تخضع ما استطاع واحد منا أن يشذ عن الإيمان بالله.

لذلك خاطب الحق تبارك وتعالى رسوله بقوله:

لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين * إن نشأ ننزل عليهم من السمآء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين

[الشعراء: 3-4]. فالله لا يريد أعناقا، وإنما يريد قلوبا، لكن يخلط كثير من الناس إن أمرته بأمر من أمور الدين فيقول:

لا إكراه في الدين..

[البقرة: 256] نقول له: أنت لم تحسن الاستدلال، المراد: لا إكراه في أن تدخل الدين، ولكن إذا دخلت فعليك الالتزام بمطلوباته. ومن باطن هذا العهد الإيماني تنشأ كل العقود، لذلك يجب الوفاء بالعهود لأن الوفاء بها جزء من الإيمان، فأنت حر أن تقابل فلانا أو لا تقابله، إنما إذا عاهدته على المقابلة فقد أصبحت ملزما بالوفاء لأن المقابل لك قد رتب نفسه على أساس هذا اللقاء، فإن أخلفت معه العهد فكأنك أطلقت لنفسه حرية الحركة، وقيدت حركة الآخر. وهذه صفة لا تليق أبدا بالمؤمنين، وقد جعلها النبي صلى الله عليه وسلم من صفات المنافقين. وقوله: ﴿ إن العهد كان مسؤولا ﴾ [الإسراء: 34]. قد يكون المعنى: أي مسئولا عنه، فيسأل كل إنسان عن عهده أوفى به أم أخلفه؟ وقد يراد ﴿ مسؤولا ﴾ أي: مسئول ممن تعاقد عليه أن ينقذه، وكأنه عدى المسئولية إلى العهد نفسه، فأنا حر وأنت حر، والعهد هو المسئول. والحق سبحانه وتعالى يستعمل اسم المفعول في مواضع تقول للوهلة الأولى أنه في غير موضعه، ولكن إذا دققت النظر تجده في موضعه بليغا غاية البلاغة، كما في قوله تعالى:

وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا

[الإسراء: 45]. هكذا بصيغة اسم المفعول، والحجاب في الحقيقة ساتر وليس مستورا، ولكن الحق سبحانه يريد أن يجعل الحجاب صفيقا، كأنه نفسه مستور بحجاب الغير، كما يصنع بعض المترفين ستائر البيوت من طبقتين، فتصبح الستارة نفسها مستورة، وكما في قوله تعالى:

ظلا ظليلا..

[النساء: 57] أي: أن الظل نفسه مظلل. وانظر إلى حال المجتمع إذا لم تراع فيه العهود، ولم تحترم المواثيق، مجتمع يستهين أهله بالوفاء وشرف الكلمة، فسوف تجده مجتمعا مفككا فقدت فيه الثقة بين الناس، وإذا ما فقدت الثقة وضاع الوفاء وشرف الكلمة الذي تدار به حركة الحياة فاعلم أنه مجتمع فاشل، وليس أهلا لرقي أو تقدم. ولأهمية العهد في الإسلام نجده ينعقد بمجرد الكلمة، وليس من الضروري أن يسجل في سجلات رسمية لأن المؤمن تثق في كلمته حتى إن لم توثق وتكتب. ومن هنا وجد ما يسمونه بالحق القضائي وبالحق الديني، فيقولون: هذا قضاء وهذا ديانة، والفرق واضح بينهما، ويمكن أن نضرب له هذا المثل: هب أنك أخذت دينا من صديق لك، وكتب له مستندا بهذا الدين ليطمئن قلبه، ثم قابلته بعد أن تيسر لك السداد ووفيت له بدينه. لكنه اعتذر لعدم وجود المستند معه الآن، فقلت له: لا عليك أرسله لي متى شئت، فلو تصورنا أنه أراد الغدر بك وأنكر سداد الدين، فالقضاء يقول: له الحق في أخذ دينه، أما ديانة فليس له شيء. إذن: العهد الذي نعقده مع الناس يدخل تحت المسئولية الدينية وليس القضائية. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٢٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٢٤٩