وليشهد عذابهما طآئفة من المؤمنين
[النور: 2]. والذين اعترضوا على القصاص اعترضوا أيضا على إقامة حد الردة، ورأوا فيه وحشية وكبتا للحرية الدينية التي كفلها الإسلام في قوله تعالى:
لا إكراه في الدين..
[البقرة: 256]. والحقيقة أن الإسلام حينما شرع حد الردة، وقال بقتل المرتد عن الدين أراد أن يصعب على غير المسلمين الدخول في الإسلام، وأن يضيق عليهم هذا الباب حتى لا يدخل في الإسلام إلا من أخلص له، واطمأن قلبه إليه، وهو يعلم تماما أنه إن تراجع عن الإسلام بعد أن دخل فيه فجزاؤه القتل. فهذه تحسب للإسلام لا عليه لأنه اشترط عليك أولا، وأوضح لك عاقبة ما أنت مقدم عليه. أما حرية الدين والعقيدة فهي لك قبل أن تدخل الإسلام دخولا أوليا، لا يجبرك أحد عليه، فلك أن تظل على دينك كما تحب، فإن أردت الإسلام فتفكر جيدا وتدبر الأمر وابحثه بكل طاقات البحث لديك.
فليس في دين الله مجال للتجربة، إن أعجبك تظل في ساحته، وإن لم يرق لك تخرج منه، فإن علمت هذه الشروط فليس لك أن تعترض على حد الردة بعد ذلك. ولتعلم أن دين الله أعز وأكرم من أن يستجدي أحدا للدخول فيه. ثم يقول تعالى: ﴿ ومن قتل مظلوما.. ﴾ [الإسراء: 33]. وهذا حكم نفي، المفروض ألا يحدث. ومعنى ﴿ مظلوما ﴾ أي: قتل دون سبب من الأسباب الثلاثة السابقة أي: دون حق، فعلى فرض أن هذا القتل وقع بالفعل، فما الحكم؟ يقول تعالى: ﴿ فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل.. ﴾ [الإسراء: 33]. وليه: أي ولي المقتول، وهو من يتولى أمره من قرابته: الأب أو الأخ أو الابن أو العم.. الخ فهو الذي يتولى أمر المطالبة بدمه. ﴿ سلطانا.. ﴾ [الإسراء: 33] أي: شرعنا له، وأعطيناه الحق والقوة في أن يقتل القاتل، والسلطان يكون في خدمة التنفيذ، ويمكنه منه، وكذلك المؤمنون أيضا يقفون إلى جواره، ويساعدونه في تنفيذ هذا الحكم لأن الأمر من الله قد يكون رادعه في ذات النفس، لكن إن ضعفت النفس فلا بد لرادع من الخارج، وهنا يأتي دور السلطان ودور المجتمع الإيماني الذي يعين على إقامة هذا الحكم. إذن: جعل الحق سبحانه وتعالى سلطان القصاص لولي الدم، فإن لم يكن له ولي فإن السلطان ينتقل للحاكم العام ليتولى إقامة هذا الحكم، لكن ما يتعب الدنيا - حينما ينتقل حق القصاص إلى الحاكم العام - طول الإجراءات التي تخرج الحكم عن المراد منه، وتذكي نار الحقد والغل والترة في نفس ولي الدم. فولي الدم وحده الذي يعاني طول فترة التقاضي مع أناس لا يعنيهم أن تطول هذه الفترة أو تقصر لأن طول فترة التقاضي تأتي في صالح القاتل، حيث بمرور الأيام - بل والسنين - تبرد شراسة الجريمة في نفوس الناس، وتأخذ طريقا إلى طيات النسيان. وبهذا تبهت الجريمة وتنسى بشاعتها، وبدل أن يقف المجتمع ويفكر في القاتل وفي القصاص منه، تتحول الأنظار والعواطف إلى النفس الجديدة التي ستقتل، وبذلك يتعاطف الناس معه بدل أن يتعاطفوا في إقامة القصاص عليه. لكن يجب أن يقام القصاص قبل أن تبرد شراسة الجريمة في النفوس، وتبهت وتفقد حرارتها. والحق سبحانه وتعالى كما شرع القصاص، وجعله في يد ولي الدم، أراد في الوقت نفسه ألا يحرم المجتمع من طموحات العفو الذي ينهي أصول الخلاف، فيقول تعالى:
فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأدآء إليه بإحسان..
[البقرة: 178]. ففي جو القتل وثورة الدماء التي تغلي بالثأر يتكلم الحق سبحانه عن العفو والأخوة والمعروف والإحسان، فمهما كان الأمر فالمؤمنون إخوة، وباب العفو والإحسان مفتوح.
ولولي الدم بعد أن أعطيناه حق القصاص ندعوه إلى العفو، وله أن يأخذ الدية وتنتهي المسألة، وله أن يعفو عن بعضها أو عنها كلها. إذن: فإعطاء الحق منع عن المقتول له ذلة التسلط من القاتل لأن الله تعالى أعطاه حق القصاص منه، فإذا ما عفا عنه علم القاتل أن حياته أصبحت هبة من ولي الدم، وما دام الأمر كذلك فسوف تتلاشى بينهما الضغائن والأحقاد، ويحل محلها الوفاق والمحبة والسلام، وننهي تسلسل الثارات الذي لا ينتهي. وقد اشتهر في صعيد مصر - وكان مثالا للأخذ بالثأر - أن القاتل يأخذ كفنه في يده، ويذهب به إلى ولي الدم ويسلم نفسه إليه معترفا بجريمته، معطيا لولي الدم حرية التصرف فيه. فما يكون من ولي الدم أمام هذا الاستسلام إلا أن يعفو ويصفح، وبذلك تقتلع الضغائن من جذورها. ثم يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿ فلا يسرف في القتل.. ﴾ [الإسراء: 33]. أي: طالما أن الله أعطاك حق القصاص فليكن القصاص بقدره دون زيادة أو تعد أو مجاوزة للحد، والإسراف في القتل يكون بأوجه عدة: فقد يكون القاتل غير ذي شأن في قومه، فلا يرضى ولي الدم بقتله، بل يتطلع إلى قتل إنسان آخر ذي مكانة وذي شأن، فيقتل إنسانا بريئا لا ذنب له، وهذا من الإسراف في القتل، وهو إسراف في ذات المقتول. وقد يكون الإسراف في الكم، فإن قتل واحد فلا يكتفي ولي الدم بأن يقتل القاتل، بل يحمله الغل وثورة الدم إلى أن يقتل به أكثر من واحد. وقد يكون الإسراف بأن يمثل بجثة المقتول، ولا يكفيه قتله، والمفروض ألا يحملك الغضب على تجاوز الحد المشروع لك. وقد أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يفعلها في قاتل حمزة، فنهاه الله عن ذلك. ثم يقول تعالى: ﴿ إنه كان منصورا ﴾ [الإسراء: 33]. أي: لا يجوز له أن يسرف في القتل لأننا لم نتخل عنه، بل وقفنا بجانبه وأعطيناه حق القصاص ومكناه منه، إذن: فهو منصور ليس متروكا، فيجب أن يقف عند حد النصرة لا يتجاوزها لأنه إن تجاوزها بقتل غير القاتل، فسوف يقتل هو الآخر قصاصا. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن... ﴾.