تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" أجلسه، ثم قال له: " يا أخا العرب أتحب هذا لأمك؟ " فانتفض الشاب، وتغير وجهه وقال: لا يا رسول الله جعلت فداك، فقال: " أتحبه لأختك؟ أتحبه لزوجتك؟ أتحبه لبناتك؟ " والشاب يقول في كل مرة: لا يا رسول الله جعلت فداك. ثم قال صلى الله عليه وسلم: " وكذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم ولا لأخواتهم ولا لزوجاتهم ولا لبناتهم " ثم وضع يده الشريفة على صدر هذا الشاب ودعا له: " اللهم نق صدره، وحصن فرجه ".

وانصرف الشاب وهو يقول: لقد خرجت من عند رسول الله وليس أكره عندي من الزنا، ووالله ما هممت بشيء من ذلك إلا وذكرت أمي وأختي وزوجتي وبناتي.

وما أشبه طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم في علاج هذا الشاب بما يفعله أهل الصيدلة، فعندهم مصطلح يسمونه " برشمة المر " ، فإن كان الدواء مرا لا يستسيغه المريض غلفوه بمادة سكرية حتى يمر من منطقة التذوق، فلا يشعر المريض بمرارته. وقد جعل الخالق سبحانه منطقة التذوق في اللسان فحسب، دون غيره من الأعضاء التي يمر بها الطعام، واللسان آية من آيات الله في خلق الإنسان، ومظهر من مظاهر قدرته سبحانه، حيث جعل فيه حلمات دقيقة يختص كل منها بتذوق نوع من الطعام: فهذه للحلو، وهذه للمر، وهذه للحريف، وهكذا، مع أنها متراصة وملتصقة بعضها ببعض. وكما تحدث برشمة الدواء الحسي المر، كذلك يحدث في العلاجات الأدبية المعنوية، فيغلف الناصح نصيحته ليقبلها المتلقي ويتأثر بها لذلك قالوا: النصح ثقيل، فاستعيروا له خفة البيان. وقالوا: الحقائق مرة، فلا ترسلوها جبلا، ولا تجعلوها جدلا. وعلى الناصح أن يراعي حال المنصوح، وأن يرفق به، فلا يجمع عليه قسوة الحرمان مما ألف مع قسوة النصيحة. وقد وضع لنا الحق سبحانه المنهج الدعوي الذي يجب أن نسير عليه في قوله تعالى:

ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة..

[النحل: 125]. ومن أدب النصيحة أيضا الذي تعلمناه من النبي صلى الله عليه وسلم أن تكون سرا، فليس من مصلحة أحد أن تذاع الأسرار لأن لها أثرا سلبيا في حياة المجتمع كله وفي المنصوح نفسه، فإن سترت عليه في نصيحتك له كان أدعى إلى قبوله لما تقوله، وقديما قالوا: من نصح أخاه سرا فقد ستره وزانه، ومن نصحه جهرا فقد فضحه وشانه. ثم يقول تعالى: ﴿ وسآء سبيلا ﴾ [الإسراء: 32]. والسبيل هو الطريق الموصل لغاية، وغاية الحياة أننا مستخلفون في الأرض، خلقنا الله لعمارتها والسعي فيها بما يسعدنا جميعا، ويعود علينا بالخير والصلاح، فإذا ضل الإنسان وانحرف عما رسمه له ربه أفسد هذه الخلافة، وأشقى الدنيا كلها بدل أن يسعدها. وأعتقد أن ما نشاهده الآن في بيئات الانحلال والانحراف، وما امتد منهم إلى بلاد الإسلام من التفزيع والرعب يجعلنا نؤمن بأن الزنا فعلا ساء سبيلا، وساء طريقا ومسلكا، يقضي على سلامة المجتمع وأمنه وسعادته. ويكفي أنك إذا خرجت من بيتك في مهمة تستلزم المبيت تأخذ جميع لوازمك وأدواتك الشخصية، وتخاف من شبح العدوى الذي يطاردك في كل مكان، في الحجرة التي تدخلها، وفي السرير الذي تنام عليه، وفي دورة المياه التي تستعملها، الجميع في رعب وفي هلع، والإيدز ينتشر انتشار النار في الهشيم، وأصبح لا يسلم منه حتى الأسوياء الأطهار. وما حدث هذا الفزع إلا نتيجة لخروج الإنسان عن منهج الله خروجا جعل هذه المسألة فوضى لا ضابط لها، فأحدث الله لهم من الأمراض والبلايا بقدر فجورهم وعصيانهم، وما داموا لم يأتوا بالحسنى فليأتوا راغمين مفزعين.

لذلك العالم كله الآن يباشر مشروعات عفة وطهارة، لا عن إيمان بشرع الله، ولكن عن خوف وهلع من أمراض شتى لا ترحم ولا تفرق بين واحد وآخر. إذن: الزنا فاحشة وساء سبيلا، وها هي الأحداث والوقائع تثبت صدق هذه الآية، وتثبت أن أي خروج من الخلق عن منهج الخالق لن يكون وراءه إلا نكد الدنيا قبل أن ينتظرهم في الآخرة. والآن وقد ضمنا سلامة الأعراض، وضمنا طهارة النسل، وأصبح لدينا مجتمع طاهر سليم، يأمن فيه الإنسان على هذا الجانب، فلا بد إذن أن نحافظ فيه على الأرواح، فلا يعتدي أحد على أحد، فيقول تعالى: ﴿ ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٢٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٢٤٥