تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تنزل هذه الكلمة على القلوب بردا وسلاما، وتحدث فيها انبساطا وانشراحا لأن لهذه الكلمة المقدسة عملا في التكوين الذاتي للإنسان، ولها أثر في انسجام ذراته، وفي كل قطرة من دمه. ومن آثار كلمة الله التي يلتقي عليها الزوجان، أنها تحدث سيالا بينهما، هو سيال الاستقبال الحسن، وعدم الضجر، وعدم الغيرة والشراسة، فيلتقيان على خير ما يكون اللقاء. ولذلك حينما يشرع لنا الحق تبارك وتعالى العدة، نجد عدة المطلقة غير عدة المتوفى عنها زوجها، وفي هذا الاختلاف حكمة لأن الحق سبحانه يعلم طبيعة النفس البشرية وما يؤثر فيها. ولو كانت الحكمة من العدة مجرد استبراء الرحم لكفى شهر واحد وحيضة واحدة، إنما الأمر أبعد من ذلك، فعند المرأة اعتبارات أخرى وما زالت تحت تأثير الزواج السابق لأن سيال الحال فيه التقاء الإيجاب والسلب من الرجل والمرأة، وقد تعودت المرأة على الإيجاب الحلال والسلب الحلال. فإذا طلقت المرأة فلا يحل لها الزواج قبل انقضاء العدة التي حددها الشرع بثلاثة أشهر، وهي المدة التي يهدأ فيها سيال الحلال في نفسها ويجمد، وبذلك تكون صالحة للالتقاء بزوج آخر. أما في حالة المتوفى عنها زوجها فعدتها أربعة أشهر وعشرة، والحكمة من الفارق بين العدتين أن المطلقة غالبا ما يكون بين الزوجين كره، هذا الكره بينهما يساعد على موت السيال لأنها بطبيعة الحال نافرة عنه غير راغبة فيه. أما المتوفى عنها زوجها فقد فارقها دون كره، فرغبتها فيه أشد لذلك تحتاج إلى وقت أطول للتخلص من هذا السيال. والحق سبحانه هنا يراعي طبيعة المرأة ومشاعرها، وعواطف الميل والرغبة في زوجها، ويعلم سبحانه أن هذا الميل وهذه الرغبة تحتاج إلى وقت ليهدأ هذه العواطف لدى المرأة، وتستعد نفسيا للالتقاء بزوج آخر لأن لقاء الزوج بزوجته مسألة لا يحدث الانسجام فيها بالتكوين العقلي، بل الانسجام فيها بالتكوين العاطفي الغريزي الذي يعتمد بالدرجة الأولى على توافق الذرات بين الذكر والأنثى. هذا التوافق هو الذي يولد ذرات موجبة، وذرات سالبة، فيحدث التوافق، ويحدث الحب والعشق الذي يجمعهما ويمتزجان من خلاله. وهذا - كما قلنا - أثر من آثار كلمة الله التي اجتمعا عليها وتحت ظلها. وهكذا يلتقي الزوجان في راحة وهدوء نفسي، ويسكن كل منهما للآخر لأن ذراتهما انسجمت وتآلفت ويفرح الأهل ويسعد الجميع، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال في وصيته بالنساء:

" إنما استحللتم فروجهن بكلمة الله "

وهذه الكلمة من الله تعالى الذي خلق الإنسان ويعلم ما يصلحه ولك أن تتصور الحال إن تم هذا اللقاء فيما حرم الله، وبدون هذه الكلمة وما يحدث فيه من تنافر الذرات وعدم انسجام ونكد ومرارة لا تنتهي، ما بقيت فيهما أنفاس الحياة. لذلك سماه القرآن فاحشة، والدليل على فحشه أن الموصوم به يحب ألا يعرف، وأن تظل جرائمه خلسة من المجتمع، وأن الذي يقترف هذه الفاحشة يكره أن تفعل في محارمه، ويكفيها فحشا أن الله تعالى سماها فاحشة، وشرع لها حدا يقام على مرتكبها علانية أمام أعين الجميع.

وقد عالج رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الداء، حينما أتاه شاب يشتكي ضعفه أمام غريزته الجنسية، ويقول له: يا رسول الله ائذن لي في الزنا، والنبي صلى الله عليه وسلم أتى بقضايا دينيه عامة للجميع، ولكن حين يعالج داءات المجتمع يعالج كل إنسان بما يناسبه، وعلى حسب ما فيه من داءات الضعف أمام شهوات نفسه. ويتضح لنا هذا المنهج النبوي في جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد سئل كثيرا عن أفضل الأعمال، فقال لأحدهم:

" الصلاة لوقتها ".

وقال لآخر:

" أن تلقى أخاك بوجه طلق ".

وقال لآخر:

" أن تبر أخاك ".

وهكذا تعددت الإجابات، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يصف مزيجا عاما يعطيه للجميع، بل يعطي لكل سائل الجرعة التي تصلح خللا في إيمانه، كالطبيب الذي يهتم بعلاج مريضه، فيجرى له التحاليل والفحوصات اللازمة ليقف على موضع المرض ويصف العلاج المناسب. فكيف استقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الشاب الذي جاءه يقول: يا رسول الله إنني أصلي وأصوم، وأفعل كل أوامر الدين إلا أنني لا أقدر على مقاومة هذه الغريزة؟ هل نهره واعتبره شاذا، وأغلق الباب في وجهه؟ لا والله، بل اعتبره مريضا جاء يطلب العلاج بعد أن اعترف بمرضه، والاعتراف بالمرض أولى خطوات الشفاء والعافية. وهذا الشاب ما جاء لرسول الله إلا وهو كاره لمرضه، وأول ظاهرة في العافية أن تعترف بمرضك، ولا تتكبر عليه، فإن تكبرت عليه استفحل واستعصى على العلاج. وقد اعتبر النبي صلى الله عليه وسلم شكوى هذا الشاب ظاهرة صحية في إيمانه لأنه ما جاء يشكو إلا وهو كاره لهذه الجريمة، ويجد لها شيئا في نفسه، وانظر كيف عالجه النبي صلى الله عليه وسلم:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٢٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٢٤٤