قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم..
[النور: 30]. لأنك لو أدركت لوجدت، ولو وجدت لنزعت، فإن أخذت حظك من النزوع أفسدت أعراض الناس، وإن عففت عشت مكبوتا تعاني عشقا لن تناله، وليس لك صبر عنه. إذن: الأسلم لك وللمجتمع، والأحفظ للأعراض وللحرمات أن تغض بصرك عن محارم الناس فترحم أعراضهم وترحم نفسك. لكن هذه الحقيقة كثيرا ما تغيب عن الأذهان، فيغش الإنسان نفسه بالاختلاط المحرم، وإذا ما سئل ادعى البراءة وحسن النية وأخذ من صلة الزمالة أو القرابة أو الجوار ذريعة للمخالطة والمعاشرة وهو لا يدري أنه واهم في هذا كله، وأن خالقه سبحانه أدرى به وأعلم بحاله، وما أمره بغض بصره إلا لما يترتب عليه من مفاسد ومضار، إما تعود على المجتمع، أو عليه نفسه. لذلك قال صلى الله عليه وسلم:
" النظرة سهم مسموم من سهام إبليس، من تركها من مخافتي أبدلته إيمانا يجد حلاوته في قلبه ".
ومن هنا نفهم مراده سبحانه من قوله: ﴿ ولا تقربوا الزنى.. ﴾ [الإسراء: 32]. ولم يقل: لا تزنوا. لأن لهذه الجريمة مقدمات تؤدي إليها، فاحذر أن تجعل نفسك على مقربة منها لأن من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ودعك ممن ينادون بالاختلاط والإباحية لأن الباطل مهما علا ومهما كثر أتباعه فلن يكون حقا في يوم من الأيام. واحذر ما يشيع على الألسنة من قولهم هي بنت عمه، وهو ابن خالها، وهما تربيا في بيت واحد، إلى آخر هذه المقولات الباطلة التي لا تغير من وجه الحرام شيئا، فطالما أن الفتاة تحل لك فلا يجوز لك الخلوة بها.
وفي الحديث النبوي:
" لا يخلون رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما ".
إذن: ما حرم الإسلام النظر لمجرد النظر، وما حرم الخلوة في ذاتها ولكن حرمهما لأنهما من دوافع الزنا وأسبابه. فيقول تعالى: ﴿ ولا تقربوا الزنى.. ﴾ [الإسراء: 32] أبلغ في التحريم وأحوط وأسلم من: لا تزنوا. ومثال ذلك أيضا قوله تعالى في تحريم الخمر:
يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون
[المائدة: 90]. ومع ذلك يخرج علينا من يقول: ليس في القرآن آية واحدة تحرم شرب الخمر.. سبحان الله، فأيهما أبلغ وأشد في التحريم أن نقول لك: لا تشرب الخمر، أم اجتنب الخمر؟ لا تشرب الخمر: نهي عن الشرب فقط. إذن: يباح لك شراؤها وبيعها وصناعتها ونقلها.. الخ. أما الاجتناب فيعني: البعد عنها كلية، وعدم الالتقاء بها في أي مكان، وعلى أية صورة. فالاجتناب - إذن - أشد من مجرد التحريم. وكيف نقول بأن الاجتناب أقل من التحريم، وقد قال تعالى في مسألة هامة من مسائل العقيدة:
والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها..
[الزمر: 17]. فهل تقول في هذه: إن الاجتناب أقل من التحريم؟ وهل عبادة الطاغوت ليست محرمة؟! ثم يقول تعالى: ﴿ إنه كان فاحشة.. ﴾ [الإسراء: 32]. الفاحشة: هي الشيء الذي اشتد قبحه. وقد جعل الحق سبحانه الزنا فاحشة لأنه سبحانه وتعالى حينما خلق الزوجين: الذكر والأنثى، وقدر أن يكون منهما التناسل والتكاثر قدر لهما أصولا يلتقيان عليها، ومظلة لا يتم الزواج إلا تحتها، ولم يترك هذه المسألة مشاعا يأتيها من يأتيها ليحفظ للناس الأنساب، ويحمي طهارة النسل، فيطمئن كل إنسان إلى سلامة نسبه ونسب أولاده. والمراد من الأصول التي يلتقي عليها الزوجان عقد القران الذي يجمعهما بكلمة الله وعلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وهب أن لك بنتا بلغت سن الزواج، وعلمت أن شابا ينظر إليها، أو يحاول الاقتراب منها، أو ما شابه ذلك، ماذا سيكون موقفك؟ لا شك أن نار الغيرة ستشتعل بداخلك، وربما تعرضت لهذا الشاب، وأقمت الدنيا ولم تقعدها. لكن إذا ما طرق هذا الشاب بابك، وتقدم لخطبة ابنتك فسوف تقابله بالترحاب وتسعد به، وتدعو الأهل، وتقيم الزينات والأفراح. إذن: فما الذي حدث؟ وما الذي تغير؟ وما الفرق بين الأولى والثانية؟ الفرق بينهما هو الفرق بين الحلال والحرام لذلك قيل: " جدع الحلال أنف الغيرة ". فالذي يغار على بناته من لمسة الهواء تراه عند الزواج يجهز ابنته، ويسلمها بيده إلى زوجها لأنهما التقيا على كلمة الله، هذه الكلمة المقدسة التي تفعل في النفوس الأعاجيب. مجرد أن يقول ولي الزوجة: زوجتك، ويقول الزوج: وأنا قبلت.