تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وذلك على خلاف دور الأب فهو محسوس ومعروف للابن، فأبوه الذي يوفر له كل ما يحتاج إليه، وكلما طلب شيئا قالوا: حينما يأتي أبوك، فدور الأب - إذن - معلوم لا يحتاج إلى بيان. والآية هنا أوصت بالوالدين في حال الكبر، فلماذا خصت هذه الحال دون غيرها؟ قالوا: لأن الوالدين حال شبابهما وقوتهما ليسا مظنة الإهانة والإهمال، ولا مجال للتأفف والتضجر منهما، فهما في حال القوة والقدرة على مواجهة الحياة، بل العكس هو الصحيح نرى الأولاد في هذه الحال يتقربون للآباء، ويتمنون رضاهما، لينالوا من خيرهما. لكن حالة الكبر، ومظهر الشيخوخة هو مظهر الإعالة والحاجة والضعف، فبعد أن كان معطيا أصبح آخذا، وبعد أن كان عائلا أصبح عالة. لذلك، فالنبي صلى الله عليه وسلم في حديث الآمينات والمراغم، وكان على المنبر، فسمعه الصحابة يقول: آمين. ثم سكت برهة. وقال: آمين وسكت. ثم قال: آمين. فلما نزل قالوا: يا رسول الله سمعناك تقول: آمين ثلاثا. فقال:

" جاءني جبريل فقال: رغم أنف من ذكرت عنده ولم يصل عليك، قل: آمين. فقلت: آمين، ورغم أنفس من أدرك رمضان فلم يغفر له، قل: آمين. فقلت: آمين، ورغم أنف من أدرك والديه - أو أحدهما - فلم يدخل بهما الجنة، قل: آمين. فقلت: آمين "

فخص الحق سبحانه حال الكبر، لأنه حال الحاجة وحال الضعف لذلك قال أحد الفلاسفة: خير الزواج مبكره، فلما سئل قال: لأنه الطريق الوحيد لإنجاب والد يعولك في طفولة شيخوختك، وشبه الشيخوخة بالطفولة لأن كليهما في حال ضعف وحاجة للرعاية والاهتمام. وصدق الحق سبحانه حين قال:

الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة..

[الروم: 54]. فمن تزوج مبكرا فسوف يكون له من أولاده من يعينه ويساعده حال كبره. والمتأمل في قوله تعالى: ﴿ إما يبلغن عندك الكبر.. ﴾ [الإسراء: 23]. لم تأت صفة الكبر على إطلاقها، بل قيدها بقوله: ﴿ عندك ﴾ فالمعنى: ليس لهما أحد غيرك يرعاهما، لا أخ ولا أخت ولا قريب يقوم بهذه المهمة، وما دام لم يعد لهما غيرك فلتكن على مستوى المسئولية، ولا تتنصل منها لأنك أولى الناس بها. ويمتد البر بالوالدين إلى ما بعد الحياة بالاستغفار لهما، وإنجاز ما أحدثاه من عهد، ولم يتمكنا من الوفاء به، وكذلك أن نصل الرحم التي لا توصل إلا بهما من قرابة الأب والأم، ونصل كذلك أصدقاءهما وأحبابهما ونودهم. وقد كان صلى الله عليه وسلم يود صاحبات السيدة خديجة - رضي الله عنها - وكان يستقبلهن ويكرمهن. وانظر إلى سمو هذا الخلق الإسلامي، حينما يعدي هذه المعاملة حتى إلى الكفار، فقد جاءت السيدة أسماء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأله في أمها التي أتتها.

وأظهرت حاجة مع أنها كافرة، فقال لها:

" صلي أمك ".

بل وأكثر من ذلك، إن كان الوالدان كافرين ليس ذلك فحسب بل ويدعوان الابن إلى الكفر، ويجاهدانه عليه، ومع هذا كله يقول الحق سبحانه:

وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا..

[لقمان: 15]. فهذه ارتقاءات ببر الوالدين توضح عظمة هذا الدين ورحمة الخالق سبحانه بالوالدين حتى في حال كفرهما ولددهما في الكفر. ويروى أن خليل الله إبراهيم - عليه السلام - جاءه ضيف بليل، وأراد أن ينزل في ضيافته، فسأله إبراهيم - عليه السلام - عن دينه فقال: مجوسي فأعرض عنه وتركه يذهب. فسرعان ما أوحى الحق سبحانه إلى إبراهيم معاتبا إياه في أمر هذا الضيف: يا إبراهيم لقد وسعته في مكي أعواما عديدة، أطعمه وأسقيه وأكسوه وهو كافر بي، وأنت تعرض عنه وتريد أن تغير دينه من أجل ليلة يبيتها عندك، فأسرع الخليل خلف الضيف حتى لحق به، وحكى له ما حدث، فقال الرجل. نعم الرب رب يعاتب أحبابه في أعدائه، وشهد أن لا إله إلا الله، وأن إبراهيم رسول الله. وقد رأى المستشرقون لضيق أفقهم وقلة فقههم لأسلوب القرآن الكريم، رأوا تناقضا بين قوله تعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٢٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٢٢٨