وبالوالدين إحسانا..
[الإسراء: 23]. وقد قرن الله تعالى بين عبادته وبين الإحسان إلى الوالدين في آيات كثيرة، قال تعالى:
واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا..
[النساء: 36]. وقال:
قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا..
[الأنعام: 151]. وقال:
ووصينا الإنسان بوالديه حسنا..
[العنكبوت: 8]. لكن، لماذا قرن الله تعالى بين عبادته وبين الإحسان إلى الوالدين؟ أتريد أن نقرب الأولى بالثانية، أم نقرب الثانية بالأولى؟ نقول: لا مانع أن يكون الأمران معا لأن الله تعالى غيب، والإيمان به يحتاج إلى إعمال عقل وتفكير، لكن الوالدين بالنسبة للإنسان أمر حسي، فهما سر وجوده المباشر، وهما ربياه ووفرا له كل متطلبات حياته، وهما مصدر العطف والحنان. إذن: التربية والرعاية في الوالدين محسة، أما التربية والرعاية من الله فمعقولة، فأمر الله لك بالإحسان إلى الوالدين دليل على وجوب عبادة الله وحده لا شريك له، فهو سبحانه الذي خلقك، وهو سبب وجودك الأول، وهو مربيك وصاحب رعايتك، وصاحب الفضل عليك قبل الوالدين، وهل رباك الوالدان بما أوجداه هما، أما بما أوجده الله سبحانه؟ إذن: لا بد أن يلتحم حق الله بحق الوالدين، وأن نأخذ أحدهما دليلا على الآخر.
ونلاحظ أن الحق تبارك وتعالى حين أمرنا بعبادته جاء بأسلوب النفي: ﴿ ألا تعبدوا إلا إياه.. ﴾ [الإسراء: 23]. يعني نهانا أن نعبد غيره سبحانه، أما حين تكلم عن الوالدين فلم يقل مثلا: لا تسيئوا للوالدين، فيأتي بأسلوب نفي كسابقه، لماذا؟ قالوا: لأن فضل الوالدين واضح لا يحتاج إلى إثبات، ولا يحتاج إلى دليل عقلي، وقولك: لا تسيئوا للوالدين يجعلهما مظنة الإساءة، وهذا غير وارد في حقهما، وغير متصور منهما، وأنت إذا نفيت شيئا عن من لا يصح أن ينفي عنه فقد ذممته، كأن تنفي عن أحد الصالحين المشهورين بالتقوى والورع، تنفي عنه شرب الخمر مثلا فهل هذا في حقه مدح أم ذم؟ لأنك ما قلت: إن فلانا لا يشرب الخمر إلا إذا كان الناس تظن فيه ذلك. ومن هنا قالوا: نفي العيب عمن لا يستحق العيب عيب. إذن: لم يذكر الإساءة هنا لأنها لا ترد على البال، ولا تتصور من المولود لوالديه. وبعد ذلك، ورغم ما للوالدين من فضل وجميل عليك فلا تنس أن فضل الله عليك أعظم لأن والديك قد يلدانك ويسلمانك إلى الغير، أما ربك فلن يسلمك إلى أحد. وقوله تعالى: ﴿ إحسانا.. ﴾ [الإسراء: 23]. كأنه قال: أحسنوا إليهم إحسانا، فحذف الفعل وأتى بمصدره للتأكيد. وقوله تعالى: ﴿ إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهمآ أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما ﴾ [الإسراء: 23]. الحق سبحانه وتعالى حينما يوصينا بالوالدين، مرة تأتي الوصية على إطلاقها، كما قال تعالى:
ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها..
[الأحقاف: 14]. ومرة يعلل لهذه الوصية، فيقول:
حملته أمه وهنا على وهن..
[لقمان: 14]. والذي يتأمل الآيتين السابقتين يجد أن الحق سبحانه ذكر العلة في بر الوالدين، والحيثيات التي استوجبت هذا البر، لكنها خاصة بالأم، ولم تتحدث أبدا عن فضل الأب، فقال:
حملته أمه كرها ووضعته كرها..
[الأحقاف: 15]. وقال:
حملته أمه وهنا على وهن..
[لقمان: 14]. فأين دور الأب؟ وأين مجهوداته طوال سنين تربية الأبناء؟ المتتبع لآيات بر الوالدين يجد حيثية مجملة ذكرت دور الأب والأم معا في قوله تعالى:
كما ربياني صغيرا..
[الإسراء: 24]. لكن قبل أن يربي الأب، وقبل أن يبدأ دوره كان للأم الدور الأكبر لذلك حينما تخاصم الأب والأم لدى القاضي على ولد لهما، قالت الأم: لقد حمله خفا وحملته ثقلا، ووضعه شهوة ووضعته كرها. لذلك ذكر القرآن الحيثيات الخاصة بالأم لأنها تحملتها وحدها لم يشاركها فيها الزوج ولأنها حيثيات سابقة لإدراك الابن فلم يشعر بها، فكأنه سبحانه وتعالى أراد أن يذكرنا بفضل الأم الذي لم ندركه ولم نحس به.