تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وصاحبهما في الدنيا معروفا..

[لقمان: 15]. وبين قوله تعالى:

لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوآدون من حآد الله ورسوله ولو كانوا آبآءهم أو أبنآءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم..

[المجادلة: 22]. فكيف يأمر القرآن بمصاحبة الوالدين وتقديم المعروف لهما، في حين ينهى عن مودة من حاد الله ورسوله؟ ولو فهم هؤلاء معطيات الأسلوب العربي الذي جاء به القرآن لعلموا أن المعروف غير الود لأن المعروف يصنعه الإنسان مع من يحب، ومع من يكره، مع المؤمن ومع الكافر، تطعمه إذا جاع، وتسقيه إذا عطش، وتستره إن كان عريانا، أما المودة فلا تكون إلا لمن تحب لأنها عمل قلبي. وقوله تعالى: ﴿ فلا تقل لهمآ أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما ﴾ [الإسراء: 23] وهذا توجيه وأدب إلهي يراعي الحالة النفسية للوالدين حال كبرهما، وينصح الأبناء أن يكونوا على قدر من الذكاء والفطنة والأدب والرفق في التعامل مع الوالدين في مثل هذه السن. الوالد بعد أن كان يعطيك وينفق عليك أصبح الآن محتاجا إليك، بعد أن كان قويا قادرا على السعي والعمل أصبح الآن قعيد البيت أو طريح الفراش، إذن: هو في وضع يحتاج إلى يقظة ولباقة وسياسة عالية، حتى لا نجرح مشاعره وهي مرهفة في هذا الحال.

وتأمل قول الله تعالى: ﴿ فلا تقل لهمآ أف.. ﴾ [الإسراء: 23]. وهي لفظة بسيطة أقل ما يقال، وهذه لفظة قسرية تخرج من صاحبها قهرا دون أن تمر على العقل والتفكير، وكثيرا ما نقولها عند الضيق والتبرم من شيء، فالحق سبحانه يمنعك من هذا التعبير القسري، وليس الأمر الاختياري. و ﴿ أف ﴾ اسم فعل مضارع بمعنى: أتضجر، وهذه الكلمة تدل على انفعال طبيعي، ولكن الحق سبحانه يحذرك منه، ويأمرك بأن تتمالك مشاعرك، وتتحكم في عواطفك، ولا تنطق بهذه اللفظة. ومعلوم أنه سبحانه إذا نهاني عن هذه فقد نهاني عن غيرها من باب أولى، وما دامت هي أقل لفظة يمكن أن تقال. إذن: نهاني عن القول وعن الفعل أيضا. ثم أكد هذا التوجيه بقوله: ﴿ ولا تنهرهما.. ﴾ [الإسراء: 23]. والنهر هو الزجر بقسوة، وهو انفعال تال للتضجر وأشد منه قسوة، وكثيرا ما نرى مثل هذه المواقف في الحياة، فلو تصورنا الابن يعطي والده كوبا من الشاي مثلا فارتعشت يده فأوقع الكوب فوق سجادة ولده الفاخرة، وسريعا ما يتأفف الابن لما حدث لسجادته، ثم يقول للوالد من عبارات التأنيب ما يؤلمه ويجرح مشاعره. إذن: كن على حذر من التأفف، ومن أن تنهر والديك، كن على حذر من هذه الألفاظ التي تسبق إلى اللسان دون فكر، ودون تعقل. ثم بعد هذا النهي المؤكد يأتي أمر جديد ليؤكد النهي السابق: ﴿ وقل لهما قولا كريما ﴾ [الإسراء: 23]. وفي هذا المقام تروى قصة الشاب الذي أوقع أبوه إناء الطعام على ثيابه، فأخذ الولد يلعق الطعام الذي وقع على ثوبه وهو يقول لوالده: أطعمك الله كما أطعمتني، فحول الإساءة إلى جميل يحمد عليه. والآخر الذي ذهب يتمرغ تحت أقدام أمه، فقال له: كفى يا بني، فقال: إن كنت تحبينني حقا فلا تمنعيني من عمل يدخلني الجنة. والقول الكريم هنا نوع من التصرف واللباقة في معاملة الوالدين، خاصة حال الشيخوخة التي قد تقعد صاحبها، أو المرض الذي يحتاج إلى مساعدة الغير، والأولاد هم أولى الناس بإعالة الوالدين في هذه الظروف، حيث سيبدو من الإنسان ما لا يصح الاطلاع عليه إلا لأولاده وأقرب الناس إليه. وهب أن الوالد المريض أو الذي بلغ من الكبر عتيا يريد أن يقضي حاجته، ويحتاج لمن يحمله ويقعده ويريحه، وينبغي هنا أن يقول الابن لأبيه: هون عليك يا والدي، وأعطني فرصة أرد لك بعض جميلك علي، فلكم فعلت معي أكثر من هذا. وهو مع ذلك يكون محبا لوالده، رفيقا به، حانيا عليه لا يتبرم به، ولا يتضجر منه، هذا هو القول الكريم الذي ينتقيه الأبناء في المواقف المختلفة. فمثلا: قد يزورك أبوك في بيتك وقد يحدث منه أن يكسر شيئا من لوازم البيت، فتقول له في هذا الموقف: فداك يا والدي، أو تقول: لا عليك لقد كنت أفكر في شراء واحدة أحدث منها.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٢٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٢٢٩