تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[المائدة: 19]. إذن: قد انقطعت حجتكم برسالة محمد البشير النذير صلى الله عليه وسلم. وقد وقف العلماء أمام هذه القضية فقالوا: إن كانت الحجة قد قامت على من آمن برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، فما بال الكافر الذي لم يؤمن ولم يعلم منهج الله؟ وكأنهم يلتمسون له العذر بكفره. نقول: لقد عرف الإنسان ربه عز وجل أولا بعقله، وبما ركبه فيه خالقه سبحانه من ميزان إيماني هو الفطرة، هذه الفطرة هي المسئولة عن الإيمان بقوة قاهرة وراء الوجود، وإن لم يأت رسول، والأمثلة كثيرة لتوضيح هذه القضية: هب أنك قد انقطعت بك السبل في صحراء واسعة شاسعة لا تجد فيها أثرا لحياة، وغلبك النوم فنمت، وعندما استيقظت فوجئت بمائدة منصوبة لك عليها أطايب الطعام والشراب. بالله ألا تفكر في أمرها قبل أن تمتد يدك إليها؟ ألا تلفت انتباهك وتثير تساؤلاتك عمن أتى بها إليك؟ وهكذا الإنسان بعقله وفطرته لا بد أن يهتدي إلى أن للكون خالقا مبدعا، ولا يمكن أن يكون هذا النظام العجيب المتقن وليد المصادفة، وهل عرف آدم ربه بغير هذه الأدوات التي خلقها الله فينا؟ لقد جئنا إلى الحياة فوجدنا عالما مستوفيا للمقومات والإمكانيات، وجدنا أمام أعيننا آيات كثيرة دالة على الخالق سبحانه، كل منها خيط لو تتبعته لأوصلك. خذ مثلا الشمس التي تنير الكون على بعدها تطلع في الصباح وتغرب في المساء، ما تخلفت يوما، ولا تأخرت لحظة عن موعدها، ألا تسترعي هذه الآية الكونية انتباهك؟ وقد سبق أن ضربنا مثلا ب " أديسون " الذي اكتشف الكهرباء، وكم أخذ من الاهتمام والدراسة في حين أن الإضاءة بالكهرباء تحتاج إلى أدوات وأجهزة وأموال، وهي عرضة للأعطال ومصدر للأخطار، فما بالنا نغفل عن آية الإضاءة الربانية التي لا تحتاج إلى مجهود أو أموال أو صيانة أو خلافه؟ والعربي القح الذي ما عرف غير الصحراء حينما رأى بعر البعير وآثار الأقدام استدل بالأثر على صاحبه، فقال في بساطة العربي: البعرة تدل على البعير، والقدم تدل على المسير، سماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، ونجوم تزهر، وبحار تزخر، ألا يدل ذلك على وجود اللطيف الخبير؟ إذن: بالفطرة التكوينية التي جعلها الله في الإنسان يمكن له أن يهتدي إلى أن للكون خالقا، وإن لم يعرف من هو، مجرد أن يعرف القوة الخفية وراء هذا الكون.

وحينما يأتي رسول من عند الله يساعده في الوصول إلى ما يبحث عنه، ويدله على ربه وخالقه، وأن هذه القوة الخفية التي حيرتك هي الله خالقك وخالق الكون كله بما فيه ومن فيه. وهو سبحانه واحد لا شريك له، شهد لنفسه أنه لا إله إلا هو، ولم يعارضه أحد ولم يدع أحد أنه إله مع الله، وبذلك سلمت له سبحانه هذه الدعوى لأن صاحب الدعوة حين يدعيها تسلم له إذا لم يوجد معارض لها. وهذه الفطرة الإيمانية في الإنسان هي التي عناها الحق سبحانه في قوله تعالى:

وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى..

[الأعراف: 172]. وهذا هو العهد الإلهي الذي أخذه الله على خلقه وهم في مرحلة الذر، حيث كانوا جميعا في آدم - عليه السلام - فالأنسال كلها تعود إليه، وفي كل إنسان إلى يوم القيامة ذرة من آدم، هذه الذرة هي التي شهدت هذا العهد، وأقرت أنه لا إله إلا الله، ثم ذابت هذه الشهادة في فطرة كل إنسان لذلك نسميها الفطرة الإيمانية. ونقول للكافر الذي أهمل فطرته الإيمانية وغفل عنها، وهي تدعوه إلى معرفة الله: كيف تشعر بالجوع فتطلب الطعام؟ وكيف تشعر بالعطش فتطلب الماء؟ أرأيت الجوع أو لمسته أو شممته؟ إنها الفطرة والغريزة التي جعلها الله فيك، فلماذا استخدمت هذه، وأغفلت هذه؟ والعجيب أن ينصرف الإنسان العاقل عن ربه وخالقه في حين أن الكون كله من حوله بكل ذراته يسبح بحمد ربه، فذرات الكون وذرات التكوين في المؤمن وفي الكافر تسبح بحمد ربها، كما قال تعالى: ﴿ وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم.. ﴾ [الإسراء: 44]. فكيف بك يا سيد الكون تغفل عن الله والذرات فيك مسبحة، فإن كانت ذرات المؤمن حدث بينه وبين ذرات تكوينه انسجام واتفاق، وتجاوب تسبيحه مع تسبيح ذراته وأعضائه وتوافقت إرادته الإيمانية مع إيمان ذراته، فترى المؤمن منسجما مع نفسه مع تكوينه المادي. ويظهر هذا الانسجام بين إرادة الإنسان وبين ذراته وأعضائه في ظاهرة النوم، فالمؤمن ذراته وأعضاؤه راضية عنه تحبه وتحب البقاء معه لا تفارقه لأن إرادته في طاعة الله، فترى المؤمن لا ينام كثيرا مجرد أن تغفل عينه ساعة من ليل أو نهار تكفيه ذلك لأن أعضاءه في انسجام مع إرادته، وهؤلاء الذين قال الله فيهم:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٢١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٢١٦