كانوا قليلا من الليل ما يهجعون..
[الذاريات: 17]. وكان النبي صلى الله عليه وسلم تنام عينه ولا ينام قلبه، لأنه في انسجام تام مع إرادته صلى الله عليه وسلم.
وما أشبه الإنسان في هذه القضية بسيد شرس سيء الخلق، لديه عبيد كثيرون، يعانون من سوء معاملته، فيلتمسون الفرصة للابتعاد عنه والخلاص من معاملته السيئة. على خلاف الكافر، فذراته مؤمنة وإرادته كافرة، فلا انسجام ولا توافق بين الإرادة والتكوين المادي له، لذا ترى طبيعته قلقة، ليس هناك تصالح بينه وبين ذراته، لأنها تبغضه وتلعنه، وتود مفارقته. ولولا أن الخالق سبحانه جعلها منقادة له لما طاوعته، وإنها لتنتظر يوم القيامة يوم أن تفك من إرادته، وتخرج من سجنه، لتنطق بلسان مبين، وتشهد عليه بما اقترف في الدنيا من كفر وجحود لذلك ترى الكافر ينام كثيرا، وكأن أعضاءه تريد أن ترتاح من شره. ولا بد أن نعلم أن ذرات الكون وذرات الإنسان في تسبيحها للخالق سبحانه، أنه تسبيح فوق مدارك البشر لذلك قال تعالى:
ولكن لا تفقهون تسبيحهم..
[الإسراء: 44]. فلا يفقهه ولا يفهمه إلا من منحه الله القدرة على هذا، كما منح هذه الميزة لداود - عليه السلام - فقال:
وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين
[الأنبياء: 79]. وهنا قد يقول قائل: ما الميزة هنا، والجبال والطير تسبح الله بدون داود؟ الميزة هنا لداود - عليه السلام - أن الله تعالى أسمعه تسبيح الجبال وتسبيح الطير، وجعلها تتجاوب معه في تسبيحه وكأنه كورس أو نشيد جماعي تتوافق فيه الأصوات، وتتناغم بتسبيح الله تعالى، ألم يقل الحق سبحانه في آية أخرى:
يجبال أوبي معه والطير..
[سبأ: 10]. أي: رجعي معه ورددي التسبيح. ومن ذلك أيضا ما وهبه الله تعالى لنبيه سليمان عليه السلام من معرفة منطق الطير أي لغته، فكان يسمع النملة وهي تخاطب بني جنسها ويفهم ما تريد، وهذا فضل من الله يهبه لمن يشاء من عباده، لذلك لما فهم سليمان عليه السلام لغة النملة، وفهم ما تريده من تحذير غيرها تبسم ضاحكا:
وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي..
[النمل: 19]. إذن: لكل مخلوق من مخلوقات الله لغة ومنطق، لا يعلمها ولا يفهمها إلا من ييسر الله له هذا العلم وهذا الفهم. وحينما نقرأ عن هذه القضية نجد بعض كتاب السيرة مثلا يقولون: سبح الحصى في يد النبي صلى الله عليه وسلم نقول لهم: تعبيركم هذا غير دقيق، لأن الحصى يسبح في يده صلى الله عليه وسلم كما يسبح في يد أبي جهل، لكن الميزة أنه صلى الله عليه وسلم سمع تسبيح الحصى في يده، وهذه من معجزاته صلى الله عليه وسلم. والحق سبحانه يريد أن يلفتنا إلى حقيقة من حقائق الكون، وهي كما أن لك حياة خاصة بك، فاعلم أن لكل شيء دونك حياة أيضا، لكن ليست كحياتك أنت، بدليل قول الحق سبحانه:
كل شيء هالك إلا وجهه..
[القصص: 88]. فكل ما يطلق عليه شيء مهما قل فهو هالك، والهلاك ضد الحياة لأن الله تعالى قال:
ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة..
[الأنفال: 42] فدل على أن له حياة تناسبه. ونعود إلى قوله الحق سبحانه: ﴿ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ﴾ [الإسراء: 15]. فإن اهتدى الإنسان بفطرته إلى وجود الخالق سبحانه، فمن الذي يعلمه بمرادات الخالق سبحانه منه، إذن: لا بد من رسول يبلغ عن الله، وينبه الفطرة الغافلة عن وجوده تعالى. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ وإذآ أردنآ أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول.. ﴾.