" من كتم علما ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة ".
وكذلك من الكمال الذي يدعونا إليه المنهج الإلهي أن يتقن كل صاحب مهنة مهنته، وكل صاحب صنعة صنعته، فالإنسان في حركة حياته يتقن عملا واحدا، لكن حاجاته في الحياة كثيرة ومتعددة. فالخياط مثلا الذي يخيط لنا الثياب لا يتقن غير هذه المهنة، وهو يحتاج في حياته إلى مهن وصناعات كثيرة، يحتاج إلى: الطبيب والمعلم والمهندس والحداد والنجار والفلاح.. الخ. فلو أتقن عمله وأخلص فيه لسخر الله له من يتقن له حاجته، ولو رغما عنه، أو عن غير قصد، أو حتى بالمصادفة. إذن: من كمالك أن يكون الناس في كمال، فإن أتقنت عملك فأنت المستفيد حتى إن كان الناس من حولك أشرارا لا يتقنون شيئا فسوف ييسر الله لهم سبيل إتقان حاجتك، من حيث لا يريدون ولا يشعرون.
وقوله تعالى: ﴿ ولا تزر وازرة وزر أخرى.. ﴾ [الإسراء: 15]. أي: لا يحمل أحد ذنب أحد، ولا يؤاخذ أحد بجريرة غيره، وكلمة: ﴿ تزر وازرة.. ﴾ [الإسراء: 15]. من الوزر: وهو الحمل الثقيل، ومنها كلمة الوزير: أي الذي يحمل الأعباء الثقيلة عن الرئيس، أو الملك أو الأمير. فعدل الله يقتضي أن يحاسب الإنسان بعمله، وأن يسأل عن نفسه، فلا يرمي أحد ذنبه على أحد، كما قال تعالى:
لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا..
[لقمان: 33] وحول هذه القضية تحدث كثير من المستشرقين الذين يبحثون في القرآن عن مأخذ، فوقفوا عند هذه الآية: ﴿ ولا تزر وازرة وزر أخرى.. ﴾ [الإسراء: 15]. وقالوا: كيف نوفق بينها وبين قوله:
وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم..
[العنكبوت: 13]. وقوله تعالى:
ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا سآء ما يزرون
[النحل: 25]. ونقول: التوفيق بين الآية الأولى والآيتين الأخيرتين هين لو فهموا الفرق بين الوزر في الآية الأولى، والوزر في الآيتين الأخيرتين. ففي الأولى وزر ذاتي خاص بالإنسان نفسه، حيث ضل هو في نفسه، فيجب أن يتحمل وزر ضلاله. أما في الآية الثانية فقد أضل غيره، فتحمل وزره الخاص به، وتحمل وزر من أضلهم. ويوضح لنا هذه القضية الحديث النبوي الشريف:
" من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء ".
وقوله تعالى: ﴿ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ﴾ [الإسراء: 15]. العذاب: عقوبة على مخالفة، لكن قبل أن تعاقبني عليها لا بد أن تعلمني أن هذه مخالفة أو جريمة وهي العمل الذي يكسر سلامة المجتمع، فلا جريمة إلا بنص ينص عليها ويقننها، ويحدد العقاب عليها، ثم بعد ذلك يجب الإعلام بها في الجرائد الرسمية لكي يطلع عليها الناس، وبذلك تقام عليهم الحجة إن خالفوا أو تعرضوا لهذه العقوبة. لذلك حتى في القانون الوضعي نقول: لا عقوبة إلا بتجريم، ولا تجريم إلا بنص، ولا نص إلا بإعلام. فإذا ما اتضحت هذه الأركان في أذهان الناس كان للعقوبة معنى، وقامت الحجة على المخالفين، أما أن نعاقب شخصا على جريمة هو لا يعلم بها، فله أن يعترض عليك من منطلق هذه الآية. أما أن يجرم هذا العمل، ويعلن عنه في الصحف الرسمية، فلا حجة لمن جهله بعد ذلك لأن الجهل به بعد الإعلام عنه لا يعفي من العقوبة.
فكأن قول الله تعالى: ﴿ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ﴾ [الإسراء: 15] يجمع هذه الأركان السابقة: الجريمة، والعقوبة، والنص، والإعلام، حيث أرسل الله الرسول يعلم الناس منهج الحق سبحانه، ويحدد لهم ما جرمه الشرع والعقوبة عليه. لذلك يقول تعالى في آية أخرى:
وإن من أمة إلا خلا فيها نذير
[فاطر: 24] ويقول:
يا أهل الكتاب قد جآءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جآءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير..