تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والذين إذآ أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما

[الفرقان: 67]. وفي قوله تعالى:

ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا

[الإسراء: 29]. فللإنسان في حياته طموحات تتتابع ولا تنتهي، خاصة في عصر كثرت فيه المغريات، فإن وصل إلى هدف تطلع لما هو أكبر منه، فعليه إذن ألا يبدد كل طاقته، وينفق جميع دخله. وكما نهى الإسلام عن التبذير نهى أيضا عن البخل والإمساك لأن البخل مذموم، والبخيل مكروه من أهله وأولاده، كما أن البخل سبب من أسباب الركود والبطالة والكساد التي تصيب المجتمع، فالممسك لا يتعامل مع المجتمع في حركة البيع والشراء، فيسهم ببخله في تفاقم هذه المشاكل، ويكون عنصرا خاملا يشقى به مجتمعه. إذن: فالتبذير والإمساك كلاهما طرف مذموم، والخير في أوسط الأمور، وهذا هو الأقوم الذي ارتضاه لنا المنهج الإلهي. وكذلك في مجال المأكل والمشرب، يرسم لنا الطريق المعتدل الذي يحفظ للمرء سلامته وصحته، ويحميه من أمراض الطعام والتخمة، قال تعالى:

وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين

[الأعراف: 31]. فقد علمنا الإسلام أن الإنسان إذا أكل وشرب على قدر طاقة الوقود الذي يحتاجه جسمه لا يشتكي ما يشتكيه أصحاب الإسراف في المأكل والمشرب. والمتأمل في حال هؤلاء الذين يأكلون كل ما لذل وطاب، ولا يحرمون أنفسهم مما تشتهيه، حتى وإن كان ضارا، نرى هؤلاء عند كبرهم وتقدم السن بهم يحرمون بأمر الطبيب من تناول هذه الملذات، فترى في بيوت الأعيان الخادم يأكل أطيب الطعام ويتمتع بخير سيده، في حين يأكل سيده أنواعا محددة لا يتجاوزها، ونقول له: لأنك أكلتها وأسرفت فيها في بداية الأمر، فلا بد أن تحرم منها الآن. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال:

" كلوا واشربوا وتصدقوا، والبسوا في غير إسراف ولا مخيلة "

وأيضا من أسباب السلامة التي رسمها لنا المنهج القرآني، ألا يأكل الإنسان إلا على جوع، فالطعام على الطعام يرهق المعدة، ويجر على صاحبه العطب والأمراض، ونلاحظ أن الإنسان يجد لذة الطعام وحلاوته إذا أكل بعد جوع، فمع الجوع يستطيب كل شيء ولو كان الخبز الجاف. وهكذا نجد المنهج الإلهي يرسم لنا الطريق الأقوم الذي يضمن لنا سلامة الحياة واستقامتها، فلو تدبرت هذا المنهج لوجدته في أي جانب من جوانب الحياة هو الأقوم والأنسب. في العقائد، في العبادات، في الأخلاق الاجتماعية العامة، في العادات والمعاملات، إنه منهج ينتظم الحياة كلها، كما قال الحق سبحانه:

ما فرطنا في الكتاب من شيء

[الأنعام: 38]. هذا المنهج الإلهي هو أقوم المناهج وأصلحها لأنه منهج الخالق سبحانه الذي يعلم من خلق، ويعلم ما يصلحهم، كما قلنا سابقا: إن الصانع من البشر يعلم صنعته، ويضع لها من تعليمات التشغيل والصيانة ما يضمن لها سلامة الأداء وأمن الاستعمال. فإذا ما استعملت الآلة حسب قانون صانعها أدت مهمتها بدقة، وسلمت من الأعطال، فالذي خلق الإنسان أعلم بقانون صيانته، فيقول له: افعل كذا ولا تفعل كذا:

ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير

[الملك: 14]. فآفة الناس في الدنيا أنهم وهم صنعة الحق سبحانه يتركون قانونه، ويأخذون قانون صيانتهم من أمثالهم، وهي قوانين وضعية قاصرة لا تسمو بحال من الأحوال إلى قانون الحق سبحانه، بل لا وجه للمقارنة بينهما. إذن: لا تستقيم الحياة إلا بمنهج الله عز وجل. ثم يقول تعالى: ﴿ ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا ﴾ [الإسراء: 9]. فالمنفذ لهذا المنهج الإلهي يتمتع باستقامة الحياة وسلامتها، وينعم بالأمن الإيماني، وهذه نعمة في الدنيا، وإن كانت وحدها لكانت كافية، لكن الحق سبحانه وتعالى يبشرنا بما هو أعظم منها، وبما ينتظرنا من نعيم الآخرة وجزائها، فجمع لنا ربنا تبارك وتعالى نعيمي الدنيا والآخرة. نعيم الدنيا لأنك سرت فيها على منهج معتدل ونظام دقيق، يضمن لك فيها الاستقامة والسلام والتعايش الآمن مع الخلق. ومن ذلك قول الحق سبحانه:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٢٠٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٢٠٥