هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها..
[هود: 61]. والاستعمار أن تجعلها عامرة، وهذا الإعمار يحتاج إلى مجهود، وإلى مواهب متعددة تتكاتف، فلا تستقيم الأمور إن كان هذا يبني وهذا يهدم، إذن: لا بد أن تنظم حركة الحياة تنظيما يجعل المواهب في الكون تتساند ولا تتعاند، وتتعاضد ولا تتعارض. ولا يضمن لنا هذا التنظيم إلا منهج من السماء ينزل بالتي هي أقوم، وأحكم، وأعدل، كما قال تعالى في آية أخرى:
الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان..
[الشورى: 17]. وإن كان الحق سبحانه وتعالى قد دعانا إلى النظر في ظواهر الكون، والتدبر في آيات الله في كونه، والبحث فيها لنصل إلى أسرار ما غيب عنا، فإنه سبحانه نهانا أن نفعل هذا مع بعضنا البعض، فقد حرم علينا التجسس وتتبع العورات، والبحث في أسرار الآخرين وغيبهم. وفي هذا الأدب الإلهي رحمة بالخلق جميعا لأن الله تعالى يريد أن يثري حياة الناس في الكون، وهب أن إنسانا له حسنات كثيرة، وعنده مواهب متعددة، ولكن له سيئة واحدة لا يستطيع التخلي عنها، فلو تتبعت هذه السيئة الواحدة فربما أزهدتك في كل حسناته، وحرمتك الانتفاع به، والاستفادة من مواهبه، أما لو تغاضيت عن هذه السيئة فيه لأمكنك الانتفاع به. وهب أن صانعا بارعا في صنعته وقد احتجته ليؤدي لك عملا، فإذا عرفت عنه ارتكاب معصية ما، أو اشتهر عنه سيئة ما لأزهدك هذا في صنعته ومهارته، ولرغبت عنه إلى غيره، وإن كان أقل منه مهارة. وهذا قانون عام للحق سبحانه وتعالى، فالذي نهاك عن تتبع غيب الناس، والبحث عن أسرارهم نهاهم أيضا عن تتبع غيبك والبحث عن أسرارك ولذلك ما أنعم الله على عبيده نعمة أعظم من حفظ الغيب عنده هو لأنه رب، أما البشر فليس فيهم ربوبية، أمر البشر قائم على العبودية، فإذا انكشف لأحدهم غيب أخيه أو عيب من عيوبه أذاعه وفضحه به. إذن: فالحق تبارك وتعالى يدعونا إلى أن نكون طلعة في استنباط أسرار الكون والبحث عن غيبه، وفي الوقت نفسه ينهانا أن نكون طلعة في تتبع أسرار الناس والبحث عن غيبهم لأنك إن تتبعت غيب الناس والتمست عيوبهم حرمت نفسك من مصادر يمكن أن تنتفع بها. فالحق سبحانه يريد في الكون حركة متبادلة، وهذه الحركة المتبادلة لا تنشأ إلا بوجود نوع من التنافس الشريف البناء، التنافس الذي يثري الحياة، ولا يثير شراسة الاحتكاك، كما قال تعالى:
وفي ذلك فليتنافس المتنافسون..
[المطففين: 26]. كما يتنافس طالب العلم مع زميله المجد ليكون مثله أو أفضل منه، وكأن الحق سبحانه يعطينا حافزا للعمل والرقي، فالتنافس المقصود ليس تنافس الغل والحقد والكراهية، بل تنافس من يحب للناس ما يحب لنفسه، تنافس من لا يشمت لفشل الآخرين.
وقد يجد الإنسان هذا الحافز للمنافسة حتى في عدوه، ونحن نرى الكثير منا يغضب وتثار حفيظته إن كان له عدو، ويراه مصدر شر وأذى، ويتوقع منه المكروه باستمرار. وهو مع ذلك لو استغل حكمة الله في إيجاد هذا العدو لا تنفع به انتفاعا لا يجده في الصديق، لأن صديقك قد ينافقك أو يداهنك أو يخدعك. أما عدوك فهو لك بالمرصاد، يتتبع سقطاتك، ويبحث عن عيوبك، وينتظر منك كبوة ليذيعها ويسمع بك، فيحملك هذا من عدوك على الاستقامة والبعد عما يشين. ومن ناحية أخرى تخاف أن يسبقك إلى الخير، فتجتهد أنت في الخير حتى لا يسبقك إليه. وما أجمل ما قاله الشاعر في هذا المعنى:
عداي لهم فضل علي ومنة
فلا أبعد الرحمن عني الأعاديا
همو بحثوا عن زلتي فاجتنبتها
وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا
وهكذا نجد لكل شيء في منهج الله فائدة، حتى في الأعداء، ونجد في هذا التنافس المثمر الذي يثري حركة الحياة دليلا على أن منهج السماء هو الأقوم والأنسب لتنظيم حركة الحياة. أيضا لكي يعيش المجتمع آمنا سالما لا بد له من قانون يحفظ توازنه، قانون يحمي الضعيف من بطش القوي، فجاء منهج الله تعالى ليقنن لكل جريمة عقوبتها، ويضمن لصاحب الحق حقه، وبعد ذلك ترك الباب مفتوحا للعفو والتسامح بين الناس. ثم حذر القوي أن تطغيه قوته، وتدعوه إلى ظلم الضعيف، وذكره أن قوته ليست ذاتية فيه، بل هي عرض سوف يزول، وسوف تتبدل قوته في يوم ما إلى ضعف يحتاج معه إلى العون والمساعدة والحماية. وكأن الحق تبارك وتعالى يقول لنا: أنا أحمي الضعيف من قوتك الآن، لأحمي ضعفك من قوة غيرك غدا. أليس في هذا كله ما هو أقوم؟ ونقف على جانب آخر من جوانب هذه القوامة لمنهج الله في مجال الإنفاق، وتصرف المرء في ماله، والمتأمل في هذا المنهج الأقوم يجده يختار لنا طريقا وسطا قاصدا لا تبذير فيه ولا تقتير. ولا شك أن الإنسان بطبعه يحب أن يثري حياته، وأن يرتقي بها، ويتمتع بترفها، ولا يتاح له ذلك إن كان مبذرا لا يبقي من دخله على شيء، بل لا بد له من الاعتدال في الإنفاق حتى يجد في جعبته ما يمكنه أن يثري حياته ويرتقي بها ويوفر لأسرته كماليات الحياة، فضلا عن ضرورياتها. جاء هذا المنهج الأقوم في قول الحق تبارك وتعالى: