فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون
[البقرة: 38]. وقوله تعالى في آية أخرى:
فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى
[طه: 123]. ويقول تعالى:
من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون
[النحل: 97]. وفي الجانب المقابل يقول الحق سبحانه:
ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى * قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا * قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى
[طه: 124-126]. فكما أن الحق تبارك وتعالى جمع لعباده الصالحين السائرين على منهجه خيري الدنيا والآخرة، ففي المقابل جمع لأعدائه المعرضين عن منهجه عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، لا ظلما منه، فهو سبحانه منزه عن الظلم والجور، بل عدلا وقسطا بما نسوا آيات الله وانصرفوا عنها. ومعنى: ﴿ يعملون الصالحات.. ﴾ [الإسراء: 9]. وعمل الصالحات يكون بأن تزيد الصالح صلاحا، أو على الأقل تبقي الصالح على صلاحه، ولا تتدخل فيه بما يفسده. وقوله: ﴿ أن لهم أجرا كبيرا ﴾ [الإسراء: 9]. نلاحظ هنا أن الحق سبحانه وصف الأجر بأنه كبير، ولم يأت بصيغة أفعل التفضيل منها أكبر، فنقول: لأن كبير هنا أبلغ من أكبر، فكبير مقابلها صغير، فوصف الأجر بأنه كبير يدل على أن غيره أصغر منه، وفي هذا دلالة على عظم الأجر من الله تعالى. أما لو قال: أكبر فغيره كبير، إذن: فاختيار القرآن أبلغ وأحكم. كما قلنا سابقا: إن من أسماء الحق تبارك وتعالى الكبير، وليس من أسمائه أكبر، إنما هي وصف له سبحانه. ذلك لأن الكبير كل ما عداه صغير، أما أكبر فيقابلها كبير. ومن هنا كان نداء الصلاة الله أكبر معناه أن الصلاة وفرض الله علينا أكبر من أي عمل دنيوي، وهذا يعني أن من أعمال الدنيا ما هو كبير، كبير من حيث هو معين على الآخرة.
فعبادة الله تحتاج إلى طعام وشراب وإلى ملبس، والمتأمل في هذه القضية يجد أن حركة الحياة كلها تخدم عمل الآخرة، ومن هنا كان عمل الدنيا كبيرا، لكن فرض الله أكبر من كل كبير. ولأهمية العمل الدنيوي في حياة المسلم يقول تعالى عن صلاة الجمعة:
يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون * فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون
[الجمعة: 9-10]. والمتأمل في هذه الآيات يجد الحق تبارك وتعالى أمرنا قبل الجمعة أن نترك البيع، واختار البيع دون غيره من الأعمال لأنه الصفقة السريعة الربح، وهي أيضا الصورة النهائية لمعظم الأعمال، كما أن البائع يحب دائما البيع، ويحرص عليه، بخلاف المشتري الذي ربما يشتري وهو كاره، فتجده غير حريص على الشراء لأنه إذا لم يشتر اليوم سيشتري غدا. إذن: فالحق سبحانه حينما يأمرنا بترك البيع، فترك غيره من الأعمال أولى. فإذا ما قضيت الصلاة أمرنا بالعودة إلى العمل والسعي في مناكب الأرض، فأخرجنا للقائه سبحانه في بيته من عمل، وأمرنا بعد الصلاة بالعمل. إذن: فالعمل وحركة الحياة كبير، ولكن نداء ربك أكبر من حركة الحياة لأن نداء ربك هو الذي سيمنحك القوة والطاقة، ويعطيك الشحنة الإيمانية، فتقبل على عملك بهمة وإخلاص. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة... ﴾.