تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إذن: فمنهج الله أقوم، وقانون الحق سبحانه أعظم من قوانين البشر وأهدى، وفي القرآن الكريم ما يوضح أن حكم الله وقانونه أقوم حتى من حكم رسوله صلى الله عليه وسلم. وهذا في قصة مولاه " زيد بن حارثة " ، وزيد لم يكن عبدا إلى أن خطفه بعض تجار الرقيق وباعوه، وانتهى به المطاف إلى السيدة خديجة - رضي الله عنها - التي وهبته بدورها لخدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فكان زيد في خدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن علم أهله بوجوده في مكة فأتوا ليأخذوه، فما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أن خيره بين البقاء معه وبين الذهاب إلى أهله، فاختار زيد البقاء في خدمة رسول الله وآثره على أهله. فقال صلى الله عليه وسلم:

" فما كنت لأختار على من اختارني شيئا ".

وفي هذه القصة دليل على أن الرق كان مباحا في هذا العصر، وكان الرق حضانة حنان ورحمة، يعيش فيها العبد كما يعيش سيده، يأكل من طعامه، ويشرب من شرابه، يكسوه إذا اكتسى، ولا يكلفه ما لا يطيق، وإن كلفه أعانه، فكانت يده بيده. وهكذا كانت العلاقة بين محمد صلى الله عليه وسلم وبين زيد لذلك آثره على أهله، وأحب البقاء في خدمته، فرأى رسول الله أن يكافئ زيدا على إخلاصه له وتفضيله له على أهله، فقال:

" لا تقولوا زيد بن حارثة، قولوا زيد بن محمد ".

وكان التبني شائعا في ذلك الوقت. فلما أراد الحق سبحانه أن يحرم التبني، وأن يحرم نسبة الولد إلى غير أبيه بدأ برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:

ادعوهم لآبآئهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم..

[الأحزاب: 5]. والشاهد هنا:

هو أقسط عند الله..

[الأحزاب: 5]. فكأن الحكم الذي أنهى التبني، وأعاد زيدا إلى زيد بن حارثة هو الأقسط والأعدل، إذن: حكم الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن جورا، بل كان قسطا وعدلا، لكنه قسط بشري يفضله ما كان من عند الحق سبحانه وتعالى. وهكذا عاد زيد إلى نسبه الأصلي، وأصبح الناس يقولون " زيد ابن حارثة " ، فحزن لذلك زيد، لأنه حرم من شرف الانتساب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فعوضه الله تعالى عن ذلك وساما لم ينله صحابي غيره، هذا الوسام هو أن ذكر اسمه في القرآن الكريم، وجعل الناس يتلونه، ويتعبدون به في قوله تعالى:

فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها..

[الأحزاب: 37]. إذن: عمل الرسول قسط، وعمل الله أقسط. قوله تعالى: { يهدي للتي هي أقوم.

. } [الإسراء: 9]. لأن المتتبع للمنهج القرآني يجده يقدم لنا الأقوم والأعدل والأوسط في كل شيء. في العقائد، وفي الأحكام، وفي القصص. ففي العقائد مثلا، جاء الإسلام ليجابه مجتمعا متناقضا بين من ينكر وجود إله في الكون، وبين من يقول بتعدد الآلهة، فجاء الإسلام وسطا بين الطرفين، جاء بالأقوم في هذه المسألة، جاء ليقول بإله واحد لا شريك له. فإذا ما تحدث عن صفات هذا الإله سبحانه اختار أيضا ما هو أقوم وأوسط، فللحق سبحانه صفات تشبه صفات البشر، فله يد وسمع وبصر، لكن ليست يده كيدنا، وليس سمعه كسمعنا، وليس بصره كبصرنا:

ليس كمثله شيء وهو السميع البصير

[الشورى: 11]. وبهذا المنهج الحكيم خرجنا مما وقع فيه المشبهة الذين شبهوا صفات الله بصفات البشر، وخرجنا مما وقع فيه المعطلة الذين أنكروا أن يكون لله تعالى هذه الصفات وأولوها على غير حقيقتها. وكذلك في الخلق الاجتماعي العام، يلفتنا المنهج القرآني في قوله تعالى:

وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون

[يوسف: 105]. يلفتنا إلى ما في الكون من عجائب نغفل عنها، ونعرض عن تدبرها والانتفاع بها، ولو نظرنا إلى هذه الآيات بعين المتأمل لوجدنا فيها منافع شتى منها: أنها تذكرنا بعظمة الخالق سبحانه، ثم هي بعد ذلك ستفتح لنا الباب الذي يثري حياتنا، ويوفر لنا ترف الحياة ومتعتها. فالحق سبحانه أعطانا مقومات الحياة، وضمن لنا برحمته ضروريات البقاء، فمن أراد الكماليات فعليه أن يعمل عقله فيما أعطاه الله ليصل إلى ما يريد. والأمثلة كثيرة على مشاهدات متأملة في ظواهر الكون، اهتدى بها أصحابها إلى اكتشافات واختراعات خدمت البشرية، وسهلت عليها كثيرا من المعاناة. فالذي اخترع العجلة في نقل الأثقال بنى فكرتها على ثقل وجده يتحرك بسهولة إذا وضع تحته شيء قابل للدوران، فتوصل إلى استخدام العجلات التي مكنته من نقل أضعاف ما كان يحمله. والذي أدخل العالم عصر البخار استنبط فكرة البخار، وأنه يمكن أن يكون قوة محركة عندما شاهد القدر وهو يغلي، ولاحظ أن غطاءه يرتفع إلى أعلى، فاهتدى إلى استخدام البخار في تسيير القطارات والعربات. والعالم الذي اكتشف دواء " البنسلين " اهتدى إليه عندما شاهد طبقة خضراء نسميها " الريم " تتكون في أماكن استخدام الماء، وكان يشتكي عينه، فعندما وصلت هذه المادة إلى عينه ربما مصادفة، لاحظ أن عينه قد برئت، فبحث في هذه المسألة حتى توصل إلى هذا الدواء. إلى غير ذلك من الآيات والعجائب في كون الله، التي يغفل عنها الخلق، ويمرون عليها وهم معرضون. أما هؤلاء العلماء الذين أثروا حياة البشرية بنظرتهم الثاقبة، فقد استخدموا عقولهم في المادة التي خلقها الله، ولم يأتوا بشيء من عند أنفسهم لأن الحق سبحانه حينما استخلف الإنسان في الأرض أعد له كل متطلبات حياته، وضمن له في الكون جنودا إن أعمل عقله وطاقته يستطيع أن يستفيد منها، وبعد ذلك طلب منه أن يعمر الأرض:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٢٠٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٢٠٣