[الفرقان: 63-67]. إلى آخر ما ذكرت الآيات من صفات المؤمنين الصادقين، فأطلق عليهم " عباد الرحمن ". دليل آخر في قول الحق سبحانه في نقاشه لإبليس:
إن عبادي ليس لك عليهم سلطان..
[الحجر: 42]. والمراد هنا المؤمنون.. وقد قال إبليس:
قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين
[ص: 82-83]. إذن: هنا إشكال، حيث أتى كل بأدلته وما يؤيد قوله، وللخروج من هذا الإشكال نقول: كلمة " عباد " و " عبيد " كلاهما جمع ومفردهما واحد عبد. فما الفرق بينهما؟ لو نظرت إلى الكون كله مؤمنه وكافره لوجدتهم جميعا لهم اختيارات في أشياء، ومقهورين في أشياء أخرى، فهم جميعا عبيد بهذا المعنى يستوي في القهر المؤمن والكافر، إذن: كل الخلق عبيد فيما لا اختيار لهم فيه. ثم بعد ذلك نستطيع أن نقسمهم إلى قسمين: عبيد يظلون عبيدا لا يدخلون في مظلة العباد، وعبيد تسمو بهم أعمالهم وانصياعهم لأمر الله فيدخلون في مظلة عباد الله. كيف ذلك؟ لقد جعل الله تعالى لك في أفعالك منطقة اختيار، فجعلك قادرا على الفعل ومقابله، وخلقك صالحا للإيمان وصالحا للكفر، لكنه سبحانه وتعالى يأمرك بالإيمان تكليفا. ففي منطقة الاختيار هذه يتمايز العبيد والعباد، فالمؤمنون بالله يخرجون عن اختيارهم إلى اختيار ربهم، ويتنازلون عن مرادهم إلى مراد ربهم في المباحات، فتراهم ينفذون ما أمرهم الله به، ويجعلون الاختيار كالقهر. ولسان حالهم يقول لربهم: سمعا وطاعة. وهؤلاء هم العباد الذين سلموا جميع أمرهم لله في منطقة الاختيار، فليس لهم إرادة أمام إرادة الله عز وجل. إذن: كلمة عباد تطلق على من تنازل عن منطقة الاختيار، وجعل نفسه مقهورا لله حتى في المباحات. أما الكفار الذين اختاروا مرادهم وتركوا مراد الله، واستعملوا اختيارهم، ونسوا اختيار ربهم، حيث خيرهم: تؤمن أو تكفر قال: أكفر، تشرب الخمر أو لا تشرب قال: أشرب، تسرق أو لا تسرق، قال: أسرق. وهؤلاء هم العبيد، ولا يقال لهم " عباد " أبدا لأنهم لا يستحقون شرف هذه الكلمة. ولكي نستكمل حل ما أشكل في هذه المسألة لا بد لنا أن نعلم أن منطقة الاختيار هذه لا تكون إلا في الدنيا في دار التكليف لأنها محل الاختيار، وفيها نستطيع أن نميز بين العباد الذين انصاعوا لربهم وخرجوا عن مرادهم لمراده سبحانه، وبين العبيد الذين تمردوا واختاروا غير مراد الله عز وجل في الاختياريات، أما في القهريات فلا يستطيعون الخروج عنها.
فإذا جاءت الآخرة فلا محل للاختيار والتكليف، فالجميع مقهور لله تعالى، ولا مجال فيها للتقسيم السابق، بل الجميع عبيد وعباد في الوقت ذاته. إذن: نستطيع أن نقول: إن الكل عباد في الآخرة، وليس الكل عبادا في الدنيا. وعلى هذا نستطيع فهم معنى عباد في الآيتين:
إن تعذبهم فإنهم عبادك..
[المائدة: 118]. وقوله:
أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء..
[الفرقان: 17]. فسماهم الحق سبحانه عبادا لأنه لم يعد لهم اختيار يتمردون فيه، فاستووا مع المؤمنين في عدم الاختيار مع مرادات الله عز وجل. إذن: فقول الحق سبحانه: ﴿ فإذا جآء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنآ.. ﴾ [الإسراء: 5]. المقصود بها الإفساد الأول الذي حدث من اليهود في ظل الإسلام، حيث نقضوا عهدهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، والعباد هم رسول الله والذين آمنوا معه عندما جاسوا خلال ديارهم، وأخرجوهم من المدينة وقتلوا منهم من قتلوه، وسبوا من سبوه. وقوله: ﴿ أولي بأس شديد.. ﴾ [الإسراء: 5]. أي: قوة ومنعة، وهذه كانت حال المؤمنين في المدينة، بعد أن أصبحت لهم دولة وشوكة يواجهون بها أهل الباطل، وليس حال ضعفهم في مكة. وقوله سبحانه: ﴿ فجاسوا خلال الديار.. ﴾ [الإسراء: 5]. جاسوا من جاس أي: بحث واستقصى المكان، وطلب من فيه، وهذا المعنى هو الذي يسميه رجال الأمن " تمشيط المكان ". وهو اصطلاح يعني دقة البحث عن المجرمين في هذا المكان، وفيه تشبيه لتمشيط الشعر، حيث يتخلل المشط جميع الشعر، وفي هذا ما يدل على دقة البحث، فقد يتخلل المشط تخللا سطحيا، وقد يتخلل بعمق حتى يصل إلى البشرة فيخرج ما لصق بها. إذن: جاسوا أي: تتبعوهم تتبعا بحيث لا يخفى عليهم أحد منهم، وهذا ما حدث مع يهود المدينة: بني قينقاع، وبني قريظة، وبني النضير، ويهود خيبر. ونلاحظ هنا أن القرآن آثر التعبير بقوله: ﴿ بعثنا.. ﴾ [الإسراء: 5]. والبعث يدل على الخير والرحمة، فرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن في حال اعتداء، بل في حالة دفاع عن الإسلام أمام من خانوا العهد ونقضوا الميثاق. وكلمة: ﴿ عليكم ﴾ تفيد العلو والسيطرة. وقوله: ﴿ وكان وعدا مفعولا ﴾ [الإسراء: 5]. أي: وعد صدق لا بد أن يتحقق لأنه وعد من قادر على الإنفاذ، ولا توجد قوة تحول بينه وبين إنفاذ ما وعد به، وإياك أن تظن أنه كأي وعد يمكن أن يفي به صاحبه أو لا يفي به لأن الإنسان إذا وعد وعدا: سألقاك غدا مثلا. فهذا الوعد يحتاج في تحقيقه أن يكون لك قدرة على بقاء طاقة الإنفاذ، لكن قد يطرأ عليك من العوارض ما يحول بينك وبين إنفاذ ما وعدت به، إنما إذا كان الوعد ممن يقدر على الإنفاذ، ولا تجري عليه مثل هذه العوارض، فوعده متحقق النفاذ.