هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها..
[هود: 61]. أي: أنشأكم من الأرض، وجعل لكم فيها مقومات حياتكم، فإن أحببت أن تثري حياتك فأعمل عقلك المخلوق لله ليفكر، والطاقة المخلوقة في أجهزتك لتعمل في المادة المخلوقة لله في الكون، فأنت لا تأتي بشيء من عندك، فقط تعمل عقلك وتستغل الطاقة المخلوقة لله، وتتفاعل مع الأرض المخلوقة لله، فتعطيك كل ما تتطلع إليه وكل ما يثري حياتك، ويوفر لك الرفاهية والترقي. فالذين اخترعوا لنا صهاريج المياه أعملوا عقولهم، وزادوا الصالح صلاحا، وكم فيها من ميزات وفرت علينا عناء رفع المياه إلى الأدوار العليا، وقد استنبط هؤلاء فكرة الصهاريج من ظواهر الكون، حينما رأوا السيل ينحدر من أعلى الجبال إلى أسفل الوديان، فأخذوا هذه الفكرة، وأفلحوا في عمل يخدم البشرية.
وكما يكون الإفساد في الماديات كمن أفسدوا علينا الماء والهواء بالملوثات، كذلك يكون في المعنويات، فالمنهج الإلهي الذي أنزله الله تعالى لهداية الخلق وألزمنا بتنفيذه، فكونك لا تنفذ هذا المنهج، أو تكتمه، أو تحرف فيه، فهذا كله إفساد لمنهج الله تعالى. ويقول تعالى لبني إسرائيل: ﴿ لتفسدن في الأرض مرتين.. ﴾ [الإسراء: 4]. وهل أفسد بنو إسرائيل في الأرض مرتين فقط؟ والله إن كانوا كذلك فقد خلاهم ذم، والأمر إذن هين، لكنهم أفسدوا في الأرض إفسادا كثيرا متعددا، فلماذا قال تعالى: مرتين؟ تحدث العلماء كثيرا عن هاتين المرتين، وفي أي فترات التاريخ حدثتا، وذهبوا إلى أنهما قبل الإسلام، والمتأمل لسورة الإسراء يجدها قد ربطتهم بالإسلام، فيبدو أن المراد بالمرتين أحداث حدثت منهم في حضن الإسلام. فالحق سبحانه وتعالى بعد أن ذكر الإسراء ذكر قصة بني إسرائيل، فدل ذلك على أن الإسلام تعدى إلى مناطق مقدساتهم، فأصبح بيت المقدس قبلة للمسلمين، ثم أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم إليه، وبذلك دخل في حوزة الإسلام لأنه جاء مهيمنا على الأديان السابقة، وجاء للناس كافة. إذن: كان من الأولى أن يفسروا هاتين المرتين على أنهما في حضن الإسلام لأنهم أفسدوا كثيرا قبل الإسلام، ولا دخل للإسلام في إفسادهم السابق لأن الحق سبحانه يقول: ﴿ وقضينآ إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا ﴾ [الإسراء: 4]. فإن كان الفساد مطلقا. أي: قبل أن يأتي الإسلام فقد تعدد فسادهم، وهل هناك أكثر من قولهم بعد أن جاوز بهم البحر فرأوا جماعة يعكفون على عبادة العجل، فقالوا لموسى - عليه السلام:
اجعل لنآ إلها كما لهم آلهة
[الأعراف: 138]. هل هناك فساد أكثر من أن قتلوا الأنبياء الذين جعلهم الله مثلا تكوينية وأسوة سلوكية، وحرفوا كتاب الله؟ والناظر في تحريف بني إسرائيل للتوراة يجد أنهم حرفوها من وجوه كثيرة وتحريفات متعددة، فمن التوراة ما نسوه، كما قال تعالى:
ونسوا حظا مما ذكروا به..
[المائدة: 13]. والذي لم ينسوه لم يتركوه على حاله، بل كتموا بعضه، والذي لم يكتموه لم يتركوه على حاله، بل حرفوه، كما قال تعالى:
يحرفون الكلم عن مواضعه..
[المائدة: 13]. ولم يقف الأمر بهم عند هذا النسيان والكتمان والتحريف، بل تعدى إلى أن أتوا بكلام من عند أنفسهم، وقالوا هو من عند الله، قال تعالى:
فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا..
[البقرة: 79]. فهل هناك إفساد في منهج الله أعظم من هذا الإفساد؟ ومن العلماء من يرى أن الفساد الأول ما حدث في قصة طالوت وجالوت في قوله تعالى:
ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا..
[البقرة: 246]. فقد طلبوا القتال بأنفسهم وارتضوه وحكموا به، ومع ذلك حينما جاء القتال تنصلوا منه ولم يقاتلوا. ويرون أن الفساد الثاني قد حدث بعد أن قويت دولتهم، واتسعت رقعتها من الشمال إلى الجنوب، فأغار عليهم بختنصر وهزمهم، وفعل بهم ما فعل. وهذه التفسيرات على أن الفسادين سابقان للإسلام، والأولى أن نقول: إنهما بعد الإسلام، وسوف نجد في هذا ربطا لقصة بني إسرائيل بسورة الإسراء. كيف ذلك؟ قالوا: لأن الإسلام حينما جاء كن يستشهد بأهل الكتاب على صدق محمد صلى الله عليه وسلم، ونفس أهل الكتاب كانوا يستفتحون به على الذين كفروا، فكان أهل الكتاب إذا جادلوا الكفار والمشركين في المدينة كانوا يقولون لهم: لقد أظل زمان نبي يأتي فنتبعه، ونقتلكم به قتل عاد وإرم. لذلك يقول الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم: إنهم ينكرون عليك أن الله يشهد ومن عنده علم الكتاب، فمن عنده علم الكتاب منهم يعرف بمجيئك، وأنك صادق، ويعرف علامتك، بدليل أن الصادقين منهم آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم. ويقول أحدهم: لقد عرفته حين رأيته كمعرفتي لابني، ومعرفتي لمحمد أشد، لأنه قد يشك في نسبة ولده إليه، ولكنه لا يشك في شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم لما قرأه في كتبهم، وما يعلمه من أوصافه، لأنه صلى الله عليه وسلم موصوف في كتبهم، ويعرفونه كما يعرفون أبناءهم. إذن: كانوا يستفتحون برسول الله على الذين كفروا، وكانوا مستشرفين لمجيئه، وعندهم مقدمات لبعثته صلى الله عليه وسلم. ومع ذلك: