تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما المسجد فللصلاة، أو ما يتعلق بها من أمور الدين كتفسير آية، أو بيان حكم، أو تلاوة قرآن.. إلخ ولا يجوز في المسجد مباشرة عمل من أعمال الدنيا.

" لذلك حينما رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلا ينشد ضالته في المسجد، قال له: " لا ردها الله عليك ". وقال لمن جلس يعقد صفقة في المسجد: " لا بارك الله لك في صفقتك ".

ذلك لأن المسجد خصص للعبادة والطاعة، وفيه يكون لقاء العبد بربه عز وجل، فإياك أن تشغل نفسك فيه بأمور الدنيا، ويكفي ما أخذته منك، وما أنفقته في سبيلها من وقت. والمسجد لا يسمى مسجدا إلا إذا كان بناء مستقلا من الأرض إلى السماء، فأرضه مسجد، وسماؤه مسجد، لا يعلوه شيء من منافع الدنيا، كمن يبني مسجدا تحت عمارة سكنية، ودعك من نيته عندما خصص هذا المكان للصلاة: أكانت نيته لله خالصة؟ أم لمأرب دنيوي؟ وقد قال تعالى:

وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا

[الجن: 18]. فمثل هذا المكان لا يسمى مسجدا لأنه لا تنطبق عليه شروط المسجد، ويعلوه أماكن سكنية يحدث فيها ما يتنافى وقدسية المسجد، وما لا يليق بحرمة الصلاة، فالصلاة في مثل هذا المكان كالصلاة في أي مكان آخر من البيت. لذلك يحرم على الطيار غير المسلم أن يحلق فوق مكة لأن جو الحرم حرم. وقوله تعالى: ﴿ إلى المسجد الأقصا.. ﴾ [الإسراء: 1]. في بعد المسافة نقول: هذا قصي. أي: بعيد. وهذا أقصى أي: أبعد، فالحق تبارك وتعالى كأنه يلفت أنظارنا إلى أنه سيوجد بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى مسجد آخر قصي، وقد كان فيما بعد مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالمسجد الأقصى: أي: الأبعد، وهو مسجد بيت المقدس. وقوله سبحانه: ﴿ باركنا حوله.. ﴾ [الإسراء: 1]. البركة: أن يؤتى الشيء من ثمره فوق المأمول منه، وأكثر مما يظن فيه، كأن تعد طعاما لشخصين، فيكفي خمسة أشخاص فتقول: طعام مبارك. وقول الحق سبحانه: ﴿ باركنا حوله.. ﴾ [الإسراء: 1]. دليل على المبالغة في البركة، فإن كان سبحانه قد بارك ما حول الأقصى، فالبركة فيه من باب أولى، كأن تقول: من يعيشون حول فلان في نعمة، فمعنى ذلك أنه في نعمة أعظم. لكن بأي شيء بارك الله حوله؟ لقد بارك الله حول المسجد الأقصى ببركة دنيوية، وبركة دينية: بركة دنيوية بما جعل حوله من أرض خصبة عليها الحدائق والبساتين التي تحوي مختلف الثمار، وهذا من عطاء الربوبية الذي يناله المؤمن والكافر. وبركة دينية خاصة بالمؤمنين، هذه البركة الدينية تتمثل في أن الأقصى مهد الرسالات ومهبط الأنبياء، تعطرت أرضه بأقدام إبراهيم وإسحاق ويعقوب وعيسى وموسى وزكريا ويحيى، وفيه هبط الوحي وتنزلت الملائكة.

وقوله: ﴿ لنريه من آياتنآ.. ﴾ [الإسراء: 1]. اللام هنا للتعليل. كأن مهمة الإسراء من مكة إلى بيت المقدس أن نري رسول الله الآيات، وكلمة: الآيات لا تطلق على مطلق موجود، إنما تطلق على الموجود العجيب، كما نقول: هذا آية في الحسن، آية في الشجاعة، فالآية هي الشيء العجيب. ولله عز وجل آيات كثيرة منها الظاهر الذي يراه الناس، كما قال تعالى:

ومن آياته اليل والنهار..

[فصلت: 37].

ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام

[الشورى: 32]. والله سبحانه يريد أن يجعل لرسوله صلى الله عليه وسلم خصوصية، وأن يريه من آيات الغيب الذي لم يره أحد، ليرى صلى الله عليه وسلم حفاوة السماء به، ويرى مكانته عند ربه الذي قال له:

ولا تك في ضيق مما يمكرون

[النحل: 127]. لأنك في سعة من عطاء الله، فإن أهانك أهل الأرض فسوف يحتفل بك أهل السماء في الملأ الأعلى، وإن كنت في ضيق من الخلق فأنت في سعة من الخالق. وقوله: ﴿ إنه هو السميع البصير ﴾ [الإسراء: 1]. أي: الحق سبحانه وتعالى. السمع: إدراك يدرك الكلام. والبصر: إدراك يدرك الأفعال والمرائي، فلكل منهما ما يتعلق به. لكن سميع وبصير لمن؟ جاء هذا في ختام آية الإسراء التي بينت أن الحق سبحانه جعل الإسراء تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم بعد ما لاقاه من أذى المشركين وعنتهم، وكأن معركة دارت بين رسول الله والكفار حدثت فيها أقوال وأفعال من الجانبين. ومن هنا يمكن أن يكون المعنى: سميع لأقوال الرسول بصير بأفعاله، حيث آذاه قومه وكذبوه وألجؤوه إلى الطائف، فكان أهلها أشد قسوة من إخوانهم في مكة، فعاد منكرا داميا، وكان من دعائه:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣١٨٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣١٨٧