وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس..
[الإسراء: 60]. وهذا دليل آخر على أن الإسراء لم يكن مناما، فالإسراء لا يكون فتنة واختبارا إلا إذا كان حقيقة لا مناما، فالمنام لا يكذبه أحد ولا يختلف فيه الناس. لكن لماذا قال عن الإسراء رؤيا يعني المنامية، ولم يقل " رؤية " يعني البصرية؟ قالوا: لأنها لما كانت عجيبة من العجائب صارت كأنها رؤيا منامية، فالرؤيا محل الأحداث العجيبة. وورد في الإسراء أحاديث كثيرة تكلم فيها العلماء: أكان بالروح والجسد؟ أكان يقظة أم مناما؟ أكان من المسجد الحرام أم من بيت أم هانىء؟ ونحن لا نختلف مع هذه الآراء، ونوضح ما فيها من تقارب. فمن حيث: أكان الإسراء بالروح فقط أم بالروح والجسد؟ فقد أوضحنا وجه الصواب فيه، وأنه كان بالروح والجسد جميعا، فهذا مجال الإعجاز، ولو كان بالروح فقط ما كان عجيبا، وما كذبه كفار مكة. أما من ذهب إلى أن الإسراء كان رؤيا منام، فيجب أن نلاحظ أن أول الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم كان الرؤيا الصادقة، فكان صلى الله عليه وسلم لا يرى رؤيا إلا وجاءت كفلق الصبح، فرؤيا النبي صلى الله عليه وسلم ليست كرؤيانا، بل هي صدق لا بد أن يتحقق.
ومثال ذلك ما حدث، من إرادة الله له رؤيا الفتح. قال تعالى:
لقد صدق الله رسوله الرءيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شآء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون..
[الفتح: 27]. وقد أخبر صلى الله عليه وسلم صحابته هذا الخبر، فلما ردهم الكفار عند الحديبية، فقال الصحابة لرسول الله: ألم تبشرنا بدخول المسجد الحرام؟ فقال: ولكن لم أقل هذا العام. لذلك يسمون هذه الرؤى رؤى الإيناس، وهي أن يرى النبي صلى الله عليه وسلم الشيء مناما، حتى إذا ما تحقق لم يفاجأ به، وكان له أنس به. وما دام لا يرى رؤيا إلا جاءت كفلق الصبح فلا بد أن هذه الرؤيا ستأتي واقعا وحقيقة، وقد يرى هذه الرؤيا مرة أخرى على سبيل التذكرة بذلك الإيناس. إذن: من قال: إن الإسراء كان مناما نقول له: نعم كان رؤيا إيناس تحققت في الواقع، فلدينا رؤى الإيناس أولا، ورؤى التذكير بالنعمة ثانيا، وواقع الحادث في الحقيقة ثالثا، وبذلك نخرج من الخلاف حول: أكان الإسراء يقظة أم مناما؟ وحتى بعد انتهاء حادث الإسراء كانت الرؤيا الصادقة نوعا من التسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان كلما اشتدت به الأهوال يريه الله تعالى ما حدث له ليبين له حفاوة السماء والكون به صلى الله عليه وسلم ليكون جلدا يتحمل ما يلاقي من التعنت والإيذاء. أما من قال: إن الإسراء كان من بيت أم هانىء، فهذا أيضا ليس محلا للخلاف لأن بيت أم هانىء كان ملاصقا للمطاف من المسجد الحرام، والمطاف من المسجد. إذن: لا داعي لإثارة الشكوك والخلافات حول هذه المعجزة لأن الفعل فعل الحق سبحانه وتعالى، والذي يحكيه لنا هو الحق سبحانه وتعالى، فلا مجال للخلاف فيه. وقوله تعالى: ﴿ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصا... ﴾ [الإسراء: 1]. المسجد الحرام هو بيت الله: الكعبة المشرفة، وسمي حراما لأنه حرم فيه ما لم يحرم في غيره من المساجد. وكل مكان يخصص لعبادة الله نسميه مسجدا، قال تعالى:
إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر..
[التوبة: 18]. ويختلف المسجد الحرام عن غيره من المساجد، أنه بيت لله باختيار الله تعالى، وغيره من المساجد بيوت لله باختيار خلق الله لذلك كان بيت الله باختيار الله قبلة لبيوت الله باختيار خلق الله. وقد يراد بالمسجد المكان الذي نسجد فيه، أو المكان الذي يصلح للصلاة، كما جاء في الحديث الشريف:
".. وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ".
أي: صالحة للصلاة فيها. ولا بد أن نفرق بين المسجد الذي حيز وخصص كمسجد مستقل، وبين أرض تصلح للصلاة فيها ومباشرة حركة الحياة، فالعامل يمكن أن يصلي في مصنعه، والفلاح يمكن أن يصلي في مزرعته، فهذه أرض تصلح للصلاة ولمباشرة حركة الحياة.