تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك، أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك ".

فالله سميع لقول نبيه صلى الله عليه وسلم. وبصير لفعله. فقد كان صلى الله عليه وسلم في أشد ظروفه حريصا على دعوته، فقد قابل في طريق عودته من الطائف عبدا، فأعطاه عنقودا من العنب، وأخذ يحاوره في النبوات ويقول: أنت من بلد نبي الله يونس بن متى. أو يكون المعنى: سميع لأقوال المشركين، حينما آذوا سمع رسول الله وكذبوه وتجهموا له، وبصير بأفعالهم حينما آذوه ورموه بالحجارة. الحق تبارك وتعالى تعرض لحادث الإسراء في هذه الآية على سبيل الإجمال، فذكر بدايته من المسجد الحرام، ونهايته في المسجد الأقصى، وبين البداية والنهاية ذكر كلمة الآيات هكذا مجملة.

وجاء صلى الله عليه وسلم ففسر لنا هذا المجمل، وذكر الآيات التي رآها، فلو لم يذكر لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رأى من آيات الله لقلنا: وأين هذه الآيات؟ فالقرآن يعطينا اللقطة الملزمة لبيان الرسول صلى الله عليه وسلم:

إن علينا جمعه وقرآنه * فإذا قرأناه فاتبع قرآنه * ثم إن علينا بيانه

[القيامة: 17-19]. إذن: كان لا بد لتكتمل صورة الإسراء في نفوس المؤمنين أن يقول الرسول صلى الله عليه وسلم ما قال من أحاديث الإسراء. لكن يأتي المشككون وضعاف الإيمان يبحثون في أحاديث الإسراء عن مأخذ، فيعترضون على المرائي التي رآها رسول الله، وسأل عنها جبريل عليه السلام. فكان اعتراضهم أن هذه الأحداث في الآخرة، فكيف رآها محمد صلى الله عليه وسلم؟ ونقول لهؤلاء: لقد قصرت أفهامكم عن إدراك قدرة الله في خلق الكون، فالكون لم يخلق هكذا، بل خلق بتقدير أزلي له، ولتوضيح هذه المسألة نضرب هذا المثل: هب أنك أردت بناء بيت، فسوف تذهب إلى المهندس المختص وتطلب منه رسما تفصيليا له، ولو كنت ميسور الحال تقول له: اعمل لي ماكيت للبيت، فيصنع لك نموذجا مصغرا للبيت الذي تريده. فالحق سبحانه خلق هذا الكون أزلا، فالأشياء مخلوقة عند الله كالماكيت، ثم يبرزها سبحانه على وفق ما قدره. وتأمل قول الحق سبحانه وتعالى:

إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن فيكون

[يس: 82]. انظر: ﴿ أن يقول له ﴾ كأن الشيء موجود والله تعالى يظهره فحسب، لا يخلقه بداية، بل هو مخلوق جاهز ينتظر الأمر ليظهر في عالم الواقع لذلك قال أهل المعرفة: أمور يبديها ولا يبتديها. وإن كان الحق تبارك وتعالى قد ذكر الإسراء صراحة في هذه الآية، فقد ذكر المعراج بالالتزام في سورة النجم، في قوله تعالى:

ولقد رآه نزلة أخرى * عند سدرة ا ;لمنتهى * عندها جنة المأوى * إذ يغشى السدرة ما يغشى * ما زاغ البصر وما طغى * لقد رأى من آيات ربه الكبرى

[النجم: 13-18]. ففي الإسراء قال تعالى: ﴿ لنريه من آياتنآ.. ﴾ [الإسراء: 1]. وفي المعراج قال:

لقد رأى من آيات ربه الكبرى

[النجم: 18]. ذلك لأن الإسراء آية أرضية استطاع الرسول صلى الله عليه وسلم بما آتاه الله من الإلهام أن يدلل على صدقه في الإسراء به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى لأن قومه على علم بتاريخه، وأنه لم يسبق له أن رأى بيت المقدس أو سافر إليه، فقالوا له: صفه لنا وهذه شهادة منهم أنه لم يره، فتحدوه أن يصفه. والرسول صلى الله عليه وسلم حينما يأتي بمثل هذه العملية، هل كان عنده استحفاظ كامل لصورة بيت المقدس، خاصة وقد ذهب إليه ليلا؟ إذن: صورته لم تكن واضحة أمام النبي صلى الله عليه وسلم بكل تفاصيلها، وهنا تدخلت قدرة الله فجلاه الله له، فأخذ يصفه لهم كأنه يراه الآن.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣١٨٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣١٨٨