12.24
وقوله تعالى ﴿ ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه ﴾ الآية. ظاهر هذه الآية الكريمة قد يفهم منه أن يوسف عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام هم بأن يفعل مع تلك المرأة مثل ما همت هي به منه. ولكن القرآن العظيم بين براءته عليه الصلاة والسلام من الوقوع فيما لا ينبغي حيت بين شهادة كل من له تعلق بالمسألة ببراءته، وشهادة الله له بذلك واعتراف إبليس به. أما الذين لهم تعلق بتلك الواقعة فهم يوسف، والمرأة، وزوجها، والنسوة، والشهود. أما حزم يوسف بأنه بريء من تلك المعصية فذكره تعالى في قوله
هي راودتني عن نفسي
يوسف 26 وقوله
قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه
يوسف 33 الآية. وأما اعتراف المرأة بذلك ففي قولها للنسوة
ولقد راودته عن نفسه فاستعصم
يوسف 32 وقولها
الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين
يوسف51. وأما اعتراف زوج المرأة ففي قوله
قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين
يوسف 28-29. وأما اعتراف الشهود بذلك ففي قوله
وشهد شاهد من أهلهآ إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين
يوسف 26 الآية. وأما شهادة الله جل وعلا ببراءته ففي قوله ﴿ كذلك لنصرف عنه السوء والفحشآء إنه من عبادنا المخلصين ﴾ يوسف 24. قال في الفخر الرازي في تفسيره قد شهد الله تعالى في هذه الآية الكريمة على طهارته أربع مرات أولها - ﴿ لنصرف عنه السوء ﴾ يوسف 24 واللام للتأكيد والمبالغة. والثاني - قوله ﴿ والفحشآء ﴾ يوسف 24 أي وكذلك لنصرف عنه الفحشاء. والثالث - قوله ﴿ إنه من عبادنا ﴾ يوسف 24 مع أنه تعالى قال ﴿ وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ﴾ الفرقان 63. والرابع - قوله ﴿ المخلصين ﴾ يوسف 23 وفيه قراءتان قراءة باسم الفاعل. وأخرى باسم المفعول. فوروده باسم الفاعل يدل على كونه آتيا بالطاعات والقربات مع صفة الإخلاص. ووروده باسم المفعول يدل على أن الله تعالى استخلصه لنفسه، واصطفاه لحضرته. وعلى كلا الوجهين فإنه من أدل الألفاظ على كونه منزها عما أضافوه إليه. اه من تفسير الرازي. ويؤيد ذلك قوله تعالى
معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون
يوسف 23. وأما إقرار إبليس بطهارة يوسف ونزاهته ففي قوله تعالى
قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين
ص 82 - 83 فأقر بأنه لا يمكنه إغواء المخلصين ولا شك أن يوسف من المخلصين، كما صرح تعالى به في قوله
إنه من عبادنا المخلصين
يوسف 24 فظهرت دلالة القرآن من جهات متعددة على براءته مما لا ينبغي. وقال الفخر الرازي في تفسير هذه الآية ما نصه وعند هذا نقول هؤلاء الجهال الذين نسبوا إلى يوسف عليه السلام هذه الفضيحة، إن كانوا من أتباع دين الله تعالى فليقبلوا شهادة الله تعالى على طهارته، وإن كانوا من أتباع إبليس وجنوده فليقبلوا شهادة إبليس على طهارته.
ولعلهم يقولون كنا في أول الأمر تلامذة إبليس، إلى أن تخرجنا عليه فزدنا في السفاهة عليه. كما قال الخوارزمي
وكنت امرأ من جند إبليس فارتقى بي الدهر حتى صار إبليس من جندي فلو مات قبلي كنت أحسن بعده طرائق فسق ليس يحسنها بعدي
فثبت بهذه الدلائل أن يوسف عليه السلام بريء مما يقول هؤلاء الجهال. اه كلام الرازي. ولا يخفى ما فيه من قلة الأدب مع من قال تلك المقالة من الصحابة وعلماء السلف الصالح! وعذر الرازي في ذلك هو اعتقاده أن ذلك لم يثبت عن أحد من السلف الصالح. وسترى في آخر هذا المبحث أقوال العلماء في هذه المسألة إن شاء الله تعالى. فإن قيل قد بينتم دلالة القرآن على براءته عليه السلام مما لا ينبغي في الآيات المتقدمة. ولكن ماذا تقولون في قوله تعالى ﴿ وهم بها ﴾؟ فالجواب من وجهين الأول - إن المراد بهم يوسف بها خاطر قلبي صرف عنه وازع التقوى. وقال بعضهم هو الميل الطبيعي والشهوة الغريزية المزمومة بالتقوى، وهذا لا معصية فيه. لأنه أمر جبلي لا يتعلق به التكليف. كما في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم