تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" أنه كان يقسم بين نسائه فيعدل ثم يقول " اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما لا أملك "

يعني ميل القلب الطبيعي. ومثال هذا ميل الصائم بطبعه إلى الماء البارد، مع أن تقواه تمنعه من الشرب وهو صائم. وقد قال صلى الله عليه وسلم

" ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة كاملة "

لأنه ترك ما تميل إليه نفسه بالطبع خوفا من الله، وامتثالا لأمره، كما قال تعالى

وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى

النازعات 40 - 41. وهم بني حارثة وبني سلمة بالفرار يوم أحد، كهم يوسف هذا، بدليل قوله

إذ همت طآئفتان منكم أن تفشلا والله وليهما

الأعراف 122 لأن قوله ﴿ والله وليهما ﴾ يدل على أن ذلك الهم ليس معصية، لأن اتباع المعصية بولاية الله لذلك العاصي إغراء على المعصية. والعرب تطلق الهم وتريد به المحبة والشهوة، فيقول الإنسان فيما لا يحبه ولا يشتهيه هذا ما يهمني، ويقول فيما يحبه ويشتهيه هذا أهم الأشياء إلي، بخلاف هم امرأة العزيز، فإنه هم عزم وتصميم، بدليل أنها شقت قميصه من دبر وهو هارب عنها، ولم يمنعها من الوقوع فيما لا ينبغي إلا عجزها عنه. ومثل هذا التصميم على المعصية معصية يؤاخذ بها صاحبها، بدليل الحديث الثابت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم من حديث أبي بكرة

" إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار "

قالوا يا رسول الله قد عرفنا القاتل فما بال المقتول؟ قال

" إنه كان حريصا على قتل صاحبه "

فصرح صلى الله عليه وسلم بأن تصميم عزمه على قتل صاحبه معصيه أدخله الله بسببها النار. وأما تأويلهم هم يوسف بأنه قارب الهم ولم يهم بالفعل، كقول العرب قتلته لو لم أخف الله، أي قاربت أن اقتله، كما قاله الزمخشري. وتأويل الهم بأنه هم بضربها، أو هم بدفعها عن نفسه، فكل ذلك غير ظاهر، بل بعيد من الظاهر ولا دليل عليه. والجواب الثاني - وهو اختيار أبي حيان أن يوسف لم يقع منه هم أصلا، بل هو منفى عنه لوجود البرهان. قال مقيدة عفا الله عنه هذا الوجه الذي اختاره أبو حيان وغيره هو أجرى الأقوال على قواعد اللغة العربية، لأن الغالب في القرآن وفي كلام العرب أن الجواب المحذوف يذكر قبله ما يدل عليه، كقوله

فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين

يونس 84 أي إن كنتم مسلمين فتوكلوا عليه، فالأول دليل الجواب المحذوف لا نفس الجواب، لأن جواب الشروط وجواب ﴿ لولا ﴾ لا يتقدم، ولكن يكون المذكور قبله دليلا عليه كالآية المذكورة. وكقوله

قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين

البقرة 111 أي إن كنتم صادقين فهاتوا برهانكم. وعلى هذا القول فمعنى الآية، وهم بها لولا أن رأى برهان ربه، أي لولا أن رآه هم بها. فما قبل ﴿ لولا ﴾ هو دليل الجواب المحذوف، كما هو الغالب في القرآن واللغة. ونظير ذلك قوله تعالى

إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها

القصص 10 فما قبل ﴿ لولا ﴾ دليل الجواب. أي لولا أن ربطنا على قلبها لكادت تبدي به. واعلم أن جماعة من علماء العربية أجازوا تقديم جواب ﴿ لولا ﴾ وتقديم الجواب في سائر الشروط وعلى هذا القول يكون جواب ﴿ لولا ﴾ في قوله ﴿ لولا أن رأى برهان ربه ﴾ هو ما قبله من قوله ﴿ وهم بها ﴾. وإلى جواز التقديم المذكور ذهب الكوفيون، ومن أعلام البصريين أبو العباس المبرد، وأبو زيد الأنصاري. وقال الشيخ أبو حيان في البحر المحيط ما نصه والذي اختاره أن يوسف عليه السلام لم يقع منه هم بها ألبتة، بل هو منفى لوجود رؤية البرهان. كما تقول لقد قارفت لولا أن عصمك الله. ولا نقول إن جواب ﴿ لولا ﴾ متقدم عليها، وإن كان لا يقوم دليل على امتناع ذلك، بل صريح أدوات الشروط العاملة مختلف في جواز تقديم أجوبتها عليها. وقد ذهب إلى ذلك الكوفيون، ومن أعلام البصريين أبو زيد الأنصاري، وأبو العباس المبرد. بل نقول إن جواب ﴿ لولا ﴾ محذوف لدلالة ما قبله عليه، كما يقول جمهور البصريين في قول العرب أنت ظالم إن فعلت.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٤٦٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٤٦٩