تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

103.3

هذا هو المستثنى من الإنسان المتقدم، مما دل على العموم كما قدمنا، والإيمان لغة التصديق وشرعا الاعتقاد الجازم بأركان الإيمان الستة، في حديث جبريل عليه السلام مع الرسول صلى الله عليه وسلم لما سأله عن الإسلام والإيمان والإحسان.

وعملوا الصالحات: العطف يقتضي المغايرة.

ولذا قال بعض الناس: إن الأعمال ليست داخلة في تعريف الإيمان ومقالاتهم معروفة.

والجمهور: أن الإيمان اعتقاد بالجنان، ونطق باللسان، وعمل بالجوارح.

فالعمل داخل فيه ويزيد وينقص، وقد قدمنا: أن العمل شرط أقرب من أن يكون جزءا، أي أن الإيمان يصدق بالاعتقاد، ولا يتوقف وجوده على العمل، ولكن العمل شرط في الانتفاع بالإيمان، إذا تمكن العبد من العمل، ومما يدل لكون الإيمان يصدق عليه حد الاعتقاد والنطق، ولو لم يتمكن العبد من العمل، قصة الصحابي الذي أسلم عند بدء المعركة، وقاتل، واستشهد ولم يصل لله ركعة فدخل الجنة.

والجمهور: على أن مجرد الاعتقاد لا ينفع صاحبه، كما كان يعتقد عم النبي صلى الله عليه وسلم صحة رسالته، ولكنه لم يقل كلمة يحاج له صلى الله عليه وسلم بها، وكذلك لو اعتقد ونطق بالشهادتين، ولم يعمل كان مناقضا لقوله.

وقد قدمنا هذه المسألة مفصلة.

والصالحات: جمع صالحة، وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه وتعريفه وشروط كون العمل صالحا بأدلته من كونه موافقا لكتاب الله صاحبه خالصا لوجه الله، وكونه صادرا من مؤمن بالله، إلخ.

وقوله: ﴿ وتواصوا بالحق ﴾.

يعتبر التواصي بالحق، من الخاص بعد العام، لأنه داخل في عمل الصالحات.

وقيل: إن التواصي، أن يوصي بعضهم بعضا بالحق.

وقيل: الحق كل ما كان ضد الباطل فيشمل عمل الطاعات، وترك المعاصي.

واعتبر هذا أساسا من أسس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بقرينة التواصي بالصبر، أي على الأمر والنهي، على ما سيأتي إن شاء الله.

وقيل: الحق، هو القرآن، لشموله كل أمر وكل نهي، وكل خير، ويشهد لذلك قوله تعالى في حق القرآن

وبالحق أنزلناه وبالحق نزل

[الإسراء: 105].

وقوله:

إنآ أنزلنآ إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين

[الزمر: 2].

وقد جاءت آيات في القرآن تدل على أن الوصية بالحق تشمل الشريعة كلها، أصولها وفروعها، ماضيها وحاضرها، من ذلك ما وصى الله به الأنبياء وعموما، من نوح وإبراهيم ومن بعدهم في قوله تعالى:

شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينآ إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه

[الشورى: 13].

وإقامة الدين للقيام بكليته، وقد كانت هذه الوصية عمل الرسل لأممهم ومن بعدهم، فنفذها إبراهيم عليه السلام كما قال تعالى:

ووصى بهآ إبراهيم بنيه ويعقوب يابني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون

[البقرة: 132].

ومن بعد إبراهيم يعقوب كما قال تعالى:

أم كنتم شهدآء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون

[البقرة: 133].

فهذا تواصي الأمم بأصل الإيمان وعموم الشريعة، وكذلك بالعبادة من صلاة وزكاة، كما في قوله تعالى عن نبي الله عيسى عليه السلام:

وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا وبرا بوالدتي

[مريم: 31-32].

وكذلك الحالة الاجتماعية ماثلة في الوصية بالوالدين والأولاد، لترابط الأسرة، ففي الوالدين قوله تعالى:

ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا

[لقمان: 14-15].

وفي الأبناء قال:

يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين

[النساء: 11].

وفي الحقوق العامة أوامر ونواهي، عبادات ومعاملات، جاءت آيات الوصايا العشر التي قال عنها ابن مسعود رضي الله عنه: " من أراد أن ينظر إلى وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم التي عليها خاتمه فليقرأ:

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢٥٨٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢٥٨٨