قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون
[الأنعام: 151-153].
تلك الوصايا الجامعة أبواب الخير الموصدة أبواب الشر والمذيلة بهذا التبيين والتعريف، وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه لا تتبعوا السبل.
ولو أردنا أن نربط بين هذا وبين التواصي بالحق وبينهما وبين فاتحة الكتاب، لكانت النتيجة كالآتي في قوله: ﴿ وتواصوا بالحق ﴾ ، إحالة على تلك الوصايا، وهي شاملة جامعة ومعنون لها بأنها صراط الله المستقيم.
فكأن قوله: ﴿ وتواصوا بالحق ﴾ ، مساويا لقوله: وتواصوا بالصراط المستقيم. واستقيموا عليه.
ثم في سورة الفاتحة:
اهدنا الصراط المستقيم
[الفاتحة: 6]، وهذا صراط الله المستقيم فاتبعوه.
فكانت سورة العصر مشتملة على التواصي بالاستقامة على صراط الله المستقيم واتباعه، ويأتي عقبها قوله: ﴿ وتواصوا بالصبر ﴾ ، بمثابة التثبيت على هذا الصراط المستقيم إذ الصبر لازم على عمل الطاعات، كما هو لازم لترك المنكرات.
وتلك الوصايا العشر جمعت أمرا ونهيا فعلا وتركا وكذلك فيه الإشارة إلى ما يقوله دعاة الإسلام من أن العمل الصالح والدعوة إلى الحق والتواصي به، فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغالبا من يقوم به يتعرض لأذى الناس، فلزمهم التواصي بالصبر، كما قال لقمان لابنه يوصيه وجامعا في وصيته وصية سورة العصر إذ قال:
يبني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على مآ أصابك إن ذلك من عزم الأمور
[لقمان: 17].
وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه بيان قواعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالتفصيل عند قوله تعالى:
يأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل
[المائدة: 105]، في سورة المائدة.
فصارت هذه السورة بحق جامعة لأصول الرسالة.
كما روي عن الشافعي رحمه الله أنه قال: لو تأمل الناس هذه السورة لكفتهم.
قوله: ﴿ وتواصوا بالحق ﴾ ، جاء الحث على التواصي بالرحمة أيضا مع الصبر، في قوله تعالى:
ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة
[البلد: 17]. وبهذه الوصايا الثلاث: بالتواصي بالحق، والتواصي بالصبر والتواصي بالمرحمة، تكتمل مقومات المجتمع المتكامل قوامه الفضائل المثلى، والقيم الفضلى.
لأن بالتواصي بالحق إقامة الحق، والاستقامة على الطريق المستقيم.
وبالتواصي بالصبر، يستطيعون مواصلة سيرهم على هذا الصراط، ويتخطون كل عقبات تواجههم.
وبالتواصي بالمرحمة: يكونون مرتبطين كالجسد الواحد، وتلك أعطيات لم يعطها إلا القرآن وأعطاها في هذه السورة الموجزة. وبالله التوفيق.
تنبيه
قال الفخر الرازي: إن الله تعالى لما أخبر عن هؤلاء بالنجاة من الخسران، وفوزهم بالعمل الصالح والإيمان، أخبر عنهم أنهم لم يكتفوا بما يتعلق بهم أنفسهم بل تعدوا إلى غيرهم، فدعوهم إلى ما فازوا به على حد قوله صلى الله عليه وسلم:
" حب لأخيك ما تحب لنفسك "
ا ه. ملخصا.
ويشهد لهذا قوله تعالى:
إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة
[فصلت: 30] - إلى قوله -
ومن أحسن قولا ممن دعآ إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاهآ إلا ذو حظ عظيم