تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[العاديات: 3-5]، جاء مرتبا بالفاء، وهي تدل على الترتيب والتعقيب.

وقد تقدم المغيرات صبحا، وبعدها فوسطن به جمعا.

وجمع هي المزدلفة، وإنما يؤتى إليها ليلا. فكيف يقرن صبحا، ويتوطن المزدلفة ليلا.

وعلى ما حكاه الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، أنهم يغيرون صبحا من المزدلفة إلى منى، تكون تلك الإغارة صبحا بعد التوسط بجمع، والسياق يؤخرها عن الإغارة ولم يقدمها عليها.

فتبين بذلك أن إرادة الزدلفة غير متأتية في هذا السياق.

ويبقى القول الآخر وهو الأصح. والله تعالى أعلم.

ولو رجعنا إلى نظرية ترابط السور فيها ترشيحا لهذا المعنى، وهو أنه في السورة السابقة، ذكرت الزلزلة وصدور الناس أشتاتا ليروا أعمالهم.

وهنا حث على أفضل الأعمال التي تورث الحياة الأبدية والسعادة الدائمة في صورة مماثلة، وهي عدوهم أشتاتا في سبيل الله لتحصيل ذاك العمل الذي يحبون رؤيته في ذلك الوقت، وهو نصرة دين الله أو الشهادة في سبيل الله، والعلم عند الله تعالى.

100.6-8

هذا الجواب قال القرطبي: الكنود: الكفور الجحود لنعم الله، وهو قول ابن عباس.

وقيل الحسن: يذكر المصائب وينسى النعم، أخذه الشاعر فنظمه:

يا أيها الظالم في فعله

والظلم مردود على من ظلم

إلى متى أنت وحتى متى

تشكو المصيبات وتنسى النعم

وروى أبو أمامة الباهلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" الكنود هو الذي يأكل وحده، ويمنع رفده، ويضرب عبده ".

وروى ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" ألا أبشركم بشراركم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: من نزل وحده، ومنع رفده، وجلد عبده "

خرجهما الترمذي الحكيم في نوادر الأصول.

وروى ابن عباس أيضا أنه قال:

" الكنود بلسان كندة وحضرموت: العاصي، وبلسان ربيعة ومضر: الكفور، وبلسان كنانة: البخيل السيء الملكة ".

وقال مقاتل. وقال الشاعر:

كنود لنعماء الرجال ومن يكن

كنودا لنعماء الرجال يبعد

أي كفور.

ثم قيل: هو الذي يكفر اليسير، ولا يشكر الكثير.

وقيل: الجاحد للحق.

وقيل: سميت كندة كندة، لأنها جحدت أباها.

وقال إبراهيم بن هرمة الشاعر:

دع البخلاء إن شمخوا وصدوا

وذكري بخل غانية كنود

في نقول كثيرة وشواهد.

ومنها: الكنود الذي ينفق نعم الله في معصية الله.

وعن ذي النون: الهلوع والكنود: هو الذي إذا مسه الشر جزوعا، وإذا مسه الخير منوعا.

وقيل: الحسود الحقود.

ثم قال القرطبي رحمه الله في آخر البحث:

قلت: هذه الأقوال كلها ترجع إلى معنى الكفران والجحود.

وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم معنى الكنود بخصال مذمومة، وأحوال غير محمودة، فإن صح فهو أعلى ما يقال، ولا يبقى لأحد معه مقال. اه.

وهكذا كما قال: إن صح الأثر فلا قول لأحد، ولكن كل هذه الصفات من باب اختلاف التنوع، لأنها داخلة ضمن معنى الجحود للحق أو للنعم.

وقد استدل ذو النون المصري بالآية الكريمة، وهي مفسرة للكنود على المعاني المتقدمة بأنه هو الهلوع

إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا

[المعارج: 20-21].

ومثلها قوله:

فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن وأمآ إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن

[الفجر: 15-16].

وقد عقب عليه هناك بمثل ما عقب عليه هنا.

فهناك قال تعالى:

كلا بل لا تكرمون اليتيم ولا تحاضون على طعام المسكين وتأكلون التراث أكلا لما وتحبون المال حبا جما

[الفجر: 17-20].

وهنا عقب عليه بقوله:

وإنه لحب الخير لشديد

[العاديات: 8]، والله تعالى أعلم.

وقوله: إن الإنسان عام في كل إنسان، ومعلوم أن بعض الإنسان ليس كذلك، كما قال تعالى:

فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى

[الليل: 5-6]، مما يدل على أنه من العام المخصوص.

وأن هذه الصفات من طبيعة الإنسان إلا ما هذبه الشرع، كما قال تعالى:

وأحضرت الأنفس الشح

[النساء: 128].

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢٥٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢٥٧٢