" بل خمسين منكم، لأنكم تجدون أعوانا على الخير وهم لا يجدون ".
وحديث
" سبق درهم مائة ألف درهم "
وبين صلى الله عليه وسلم، أن الدرهم سبق الأضعاف المضاعفة، لأنه ثاني اثنين فقط، والمائة ألف جزء من مجموع كثير.
فالنفس التي تجود بنصف ما تملك، ولا يتبقى لها إلا درهم، خير بكثير ممن تنفق جزءا ضئيلا مما تملك ويتبقى لها المال الكثير، فكانت عوامل التصدق ودوافعه مختلفة منزلة في النفس متضادة. فالدرهم في ذاته وماهيته من جنس الدراهم الأخرى، لم تتفاوت الماهية ولا الجنس، ولكن تفاوتت الدوافع والعوامل لإنفاقه، ولعل المفاضلة المقصودة تكون من هذا القبيل أولى. والله تعالى أعلم.
98.8
قوله تعالى: ﴿ جزآؤهم عند ربهم جنات عدن تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيهآ أبدا ﴾
فيه أربع مسائل: ثلاثة مجملة جاء بيانها في القرآن. والرابعة مفصلة ولها شواهد.
أما الثلاثة المجملة فأولها قوله: ﴿ جزآؤهم عند ربهم ﴾ ، إذ الجزاء في مقابل شيء يستوجبه، وعند ربهم تشعر بأنه تفضل منه، وإلا لقال: جزاؤهم على ربهم.
وقد بين ذلك صريح قوله تعالى:
إن للمتقين مفازا حدآئق وأعنابا وكواعب أترابا وكأسا دهاقا لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا جزآء من ربك عطآء حسابا
[النبأ: 31-36]، فنص على أن هذا الجزاء كله من ربهم عطاء لهم من عنده.
الثانية والثالثة قوله:
جنات عدن تجري من تحتها الأنهار
[طه: 76]، فأجمل ما في الجنات، ونص على أنها تجري من تحتها الأنهار، مع إجمال تلك الأنهار، وقد فصلت آية ﴿ عم يتسآءلون ﴾ ما أعد لهم في الجنة من حدائق وأعناب وكواعب وشراب وطمأنينة، وعدم سماع اللغو إلى آخره. كما جاء تفصيل الأنهار في سورة القتال، في قوله تعالى:
مثل الجنة التي وعد المتقون فيهآ أنهار من مآء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم
[محمد: 15]، والخلود في هذا النعيم هو تمام النعيم.
قوله تعالى: ﴿ رضي الله عنهم ورضوا عنه ﴾.
يعتبر هذا الإخبار من حيث رضوان الله تعالى على العباد في الجنة، من باب العام بعد الخاص.
وقد تقدم في وسورة الليل في قوله تعالى:
وسيجنبها الأتقى الذى يؤتي ماله يتزكى
[الليل: 17-18] - إلى قوله -
ولسوف يرضى
[الليل: 21]، واتفقوا على أنها في الصديق رضي الله عنه كما تقدم، وجاء في التي بعدها سورة والضحى قوله تعالى:
ولسوف يعطيك ربك فترضى
[الضحى: 5]، أي للرسول صلى الله عليه وسلم.
وهنا في عموم
إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية
[البينة: 7]، فهي عامة في جميع المؤمنين الذين هذه صفاتهم، ثم قال رضي الله عنهم، وقد جاء ما بين سبب رضوان الله تعالى عليهم وهو بسبب أعمالهم، كما في قوله تعالى:
لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة
[الفتح: 18]، فكانت المبايعة سببا للرضوان.
وفي هذه الآية الإخبار بأن الله رضي الله عنهم ورضوا عنه، ولم يبين زمن هذا الرضوان أهو سابق في الدنيا أم حاصل في الجنة، وقد جاءت آية تبين أنه سابق في الدنيا، وهي قوله تعالى:
والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيهآ أبدا ذلك الفوز العظيم
[التوبة: 100]، فقوله تعالى: ﴿ رضي الله عنهم ورضوا عنه ﴾ ، ثم يأتي بعدها ﴿ وأعد لهم جنات ﴾.
فهو في قوة الوعد في المستقبل، فيكون الإخبار بالرضى مسبقا عليه.
وكذلك آية سورة الفتح في البيعة تحت الشجرة إذ فيها
لقد رضي الله عن المؤمنين
[الفتح: 18]، وهو إخبار بصيغة الماضي، وقد سميت " بيعة الرضوان ".
تنبيه
في هذا الأسلوب الكريم سؤال، وهو أن العبد حقا في حاجة إلى أن يعلم رضوان الله تعالى عليه، لأنه غاية أمانيه، كما قال تعالى: