تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فصار التقدير: لم يكن الذين كفروا منفكين عن كفرهم حتى تأتيهم البينة، التي هي الرسول، ثم قال بعد ذلك ﴿ وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جآءتهم البينة ﴾ ، وهذا يقتضي أن كفرهم قد ازداد عند مجيء الرسول عليه السلام، فحينئذ يحصل بين الآية الأولى والآية الثانية تناقض في الظاهر، هذا منتهى الإشكال فيما أظن.

اه. حرفيا.

وقد سقت كلامه لبيان مدى الإشكال في الآيتين، وهو مبني على أن منفكين بمعنى تاركين: وعليه جميع المفسرين.

والذي جاء عن الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في إملائه: أن منفكين أي مرتدعين عن الكفر والضلال، حتى تأتيهم البينة، أي أتتهم.

ولكن في منفكين، وجه يرفع هذا الإشكال، وهو أن تكون منفكين بمعنى متروكين لا بمعنى تاركين، أي لم يكونوا جميعا متروكين على ما هم عليه من الكفر والشرك حتى تأتيهم البينة على معنى قوله تعالى:

أيحسب الإنسان أن يترك سدى

[القيامة: 36]، وقوله:

الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون

[العنكبوت: 1-2]، أي لن يتركوا وقريب منه قوله تعالى:

قالوا يهود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك

[هود: 53].

وقد حكى أبو حيان قولا عن ابن عطية قوله، ويتجه في معنى الآية قول ثالث بارع المعنى، وذلك أن يكون المراد: لم يكن هؤلاء القوم منفكين من أمر الله تعالى وقدرته ونظره لهم، حتى يبعث الله تعالى إليهم رسولا منذرا، تقوم به الحجة، ويتم على من آمن النعمة، فكأنه قال: ما كانوا ليتركوا سدى، ولهذا نظائر في كتاب الله تعالى اه.

فقول ابن عطية يتفق مع ما ذكرناه، ويزيل الإشكال الكبير عن المفسرين، كما أسلفنا.

ولشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قول في ذلك نسوقه لشموله، وهو ضمن كلامه على هذه السورة في المجموع مجلد 16 ص 495 قال:

وفي معنى قوله تعالى: لم يكن هؤلاء وهؤلاء منفكين. ثلاثة أقوال ذكرها غير واحد من المفسرين.

هل المراد: لم يكونوا منفكين عن الكفر؟

أو هل لم يكونوا مكذبين بمحمد حتى بعث، فلم يكونوا منفكين من محمد والتصديق بنبوته حتى بعث.

أو المراد: أنهم لم يكونوا متروكين حتى يرسل إليهم رسول.

وناقش تلك الأقوال وردها كلها ثم قال: فقوله: ﴿ لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين ﴾ ، أي لم يكونوا متروكين باختيار أنفسهم يفعلون ما يهوونه لا حجر عليهم، كما أن المنفك لا حجر عليه، وهو لم يقل مفكوكين، بل قال: منفكين، وهذا أحسن، إلى أن قال: والمقصود أنهم لم يكونوا متروكين لا يؤمرون ولا ينهون ولا ترسل إليهم رسل.

والمعنى: أن الله لا يخليهم ولا يتركهم، فهو لا يفكهم حتى يبعث اليهم رسولا، وهذا كقوله:

أيحسب الإنسان أن يترك سدى

[القيامة: 36]، لا يؤمر، ولا ينهى، أي: أيظن أن هذا يكون؟ هذا ما لا يكون ألبتة، بل لا بد أن يؤمر وينهى.

وقريب من ذلك قوله تعالى:

إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين

[الزخرف: 3-5]. وهذا استفهام إنكار أي لأجل إسرافكم نترك إنزال الذكر، ونعرض عن إرسال الرسل.

تبين من ذلك كله أن الأصح في " منفكين " معنى " متروكين " وبه يزول الإشكال الذي أورده الفخر الرازي، ويستقيم السياق، ويتضح المعنى، وبالله تعالى التوفيق.

قوله تعالى: ﴿ حتى تأتيهم البينة رسول من الله يتلو صحفا مطهرة ﴾.

أجمل البينة ثم فصلها فيما بعدها ﴿ رسول من الله يتلو صحفا ﴾.

وفي هذا قيل: إن البينة هي نفس الرسول في شخصه، لما كانوا يعرفونه قبل مجيئه، كما في قوله:

ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد

[الصف: 6]، وقوله:

يعرفونه كما يعرفون أبناءهم

[البقرة: 146].

فكأن وجوده صلى الله عليه وسلم بذاته بينة لهم.

ولذا جاء في الآثار الصحيحة أنهم عرفوا يوم مولده بظهور نجم نبي الختان إلى آخر أخباره صلى الله عليه وسلم، وكانوا يستفتحون به على الذين كفروا، وكذلك المشركون كانوا يعرفونه عن طريق أهل الكتاب، وبما كان متصفا به صلى الله عليه وسلم، ومن جميل الصفات كما قالت له خديجة عند بدء الوحي له وفزعه منه: " كلا والله لن يحزيك الله، والله إنك لتحمل الكل وتعين على نوائب الدهر " إلى آخره.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢٥٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢٥٦١